رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

ثورة صُنع في مصر

15 علامة تجارية توطن صناعة الهواتف الذكية في مصر وتنهي عصر الاستيراد العشوائي

بوابة الوفد الإلكترونية

لم يكن قرار إنهاء الإعفاء الاستثنائي للهواتف المحمولة الواردة من الخارج بصحبة الركاب مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل علامة سياسية واقتصادية على نضج تجربة طال انتظارها.

 فالدولة التي ظلت لعقود مستهلكًا شبه كامل لتكنولوجيا الهاتف المحمول، وجدت نفسها اليوم في موقع مختلف تمامًا: تمتلك القدرة الإنتاجية، والبنية الصناعية، والغطاء التنظيمي الذي يسمح لها بالتحول من سوق مفتوح للاستيراد إلى مركز تصنيع إقليمي يفرض قواعده بثقة.

 ومع دقات الساعة الثانية عشرة ظهر اليوم، بدأ فصل جديد في علاقة المصري بالهاتف المحمول، ليس بوصفه سلعة مستوردة، بل منتجًا محليًا يحمل بصمة الصناعة الوطنية.

هذا التحول لم يأتِ فجأة، ولم يكن وليد قرار واحد، بل نتيجة مسار طويل من السياسات المتراكمة التي راهنت على توطين الصناعات التكنولوجية باعتبارها أحد أعمدة الجمهورية الجديدة، فمنذ إطلاق مبادرة «مصر تصنع الإلكترونيات»، بدا واضحًا أن الدولة لا تسعى فقط إلى تجميع أجهزة داخل حدودها، بل إلى بناء منظومة متكاملة تشمل التصنيع، وسلاسل الإمداد، ونقل المعرفة، وخلق فرص العمل، وتقليص الفاتورة الدولارية للاستيراد.

 واليوم، مع اكتمال المشهد، لم يعد الإعفاء الاستثنائي للهواتف الواردة مع الركاب متسقًا مع واقع سوق باتت فيه البدائل المحلية متاحة، ومتنوعة، وقادرة على المنافسة.

اللافت في هذا المشهد أن القرار لم يُصغَ بمنطق الجباية أو التضييق، بل بمنطق إعادة الانضباط للسوق، فخلال سنوات الإعفاء، تحولت الهواتف المحمولة المصاحبة للركاب إلى نافذة خلفية لتدفق أجهزة خارج الأطر الرسمية، أضرت بالتجار النظاميين، وأضعفت فرص المصانع المحلية الناشئة، وفتحت الباب أمام سوق رمادية يصعب ضبطها.

 ومع اكتمال الطاقة الإنتاجية للمصانع المحلية، بات من الضروري غلق هذه الثغرة، ليس فقط لحماية الصناعة الوطنية، ولكن أيضًا لضمان عدالة المنافسة وشفافية التداول.

في المقابل، تكشف أرقام الإنتاج والاستثمار عن حجم التحول الذي شهده القطاع في فترة زمنية قصيرة، فدخول علامات تجارية عالمية ومحلية إلى خريطة التصنيع داخل مصر، وضخ استثمارات بمئات الملايين من الدولارات، وارتفاع الطاقة الإنتاجية إلى عشرات الملايين من الأجهزة سنويًا، كلها مؤشرات على أن السوق لم يعد في طور التجربة، بل في مرحلة الاستقرار والتوسع.

والأهم من ذلك أن هذا التوسع لم يكن كميًا فقط، بل صاحبه ارتفاع في نسب المكون المحلي، وتطبيق معايير جودة مطابقة للمواصفات العالمية، ما بدد المخاوف التقليدية لدى المستهلك المصري من فكرة المنتج المحلي في قطاع شديد الحساسية مثل الهواتف الذكية.

وعلى المستوى الاجتماعي، يطرح القرار تساؤلًا أوسع حول طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة في ملف التكنولوجيا، فالدولة، وهي تنهي إعفاءً اعتاد عليه كثيرون، تحاول في الوقت نفسه تقديم بدائل رقمية وتسهيلات إجرائية تقلل من حدة الأثر المباشر على الأفراد، سواء عبر فترات السماح، أو التطبيقات الإلكترونية، أو استثناءات السائحين والمصريين بالخارج، وهو ما يعكس توجهًا مختلفًا في إدارة الملفات الحساسة، يقوم على التنظيم التدريجي لا الصدمة المفاجئة.

هكذا، لا يمكن قراءة إنهاء الإعفاء الاستثنائي للهواتف المحمولة بمعزل عن الصورة الأكبر: صورة دولة تعيد رسم خريطة أولوياتها الصناعية، وسوق يتغير من الاستهلاك غير المنضبط إلى الإنتاج المنظم، ومواطن يجد نفسه أمام واقع جديد عنوانه أن الهاتف الذي في يده لم يعد مجرد قطعة إلكترونية مستوردة، بل نتاج سياسة اقتصادية تسعى إلى تثبيت أقدام مصر على خريطة صناعة التكنولوجيا في المنطقة.