رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

الإسراء والمعراج ومظاهر الاحتفاء الإلهيّ بالجناب النبوي ﷺ

الإسراء والمعراج
الإسراء والمعراج

تعد رحلة الإسراء والمعراج تشريفٍ إلهيةٍ وجَبْرٍ لِخاطرِ الجنابِ النبويِّ ﷺ، تجاوزتْ حدودَ الزمانِ والمكانِ لِتُعلنَ سيادتَهُ الـمُطلقةَ على الكَوْنِ وإمامتَهُ للأنبياءِ والـمُرسلينَ، تَجلَّتْ فيها مَظاهرُ الاحتفاءِ الربانيِّ من ركوبِ البراقِ ومناجاةِ الذاتِ العليةِ، لتُهديَ الأمةَ "الصلاةَ" مِعراجًا رُوحيًا يربطُ العبدَ بخالقهِ في كلِّ حينٍ.

الإسراء والمعراج رِحلةُ الحفاوة من ضيقِ الأرض إلى سَعَةِ السماوات

والمتأملَ في حادثةِ الإسراءِ والمِعراجِ بعينِ التعظيمِ لا يراها مجردَ خرقٍ لنواميسِ الكونِ فحسب، بل يراها تشريفًا إلهيًّا ومشهدًا احتفائيًا لم يَحظَ به بَشَرٌ ولا مَلَكٌ مُقرَّبٌ من قَبله ﷺ، إنَّها رحلةُ جَبْرِ الخواطرِ التي جاءت بعدَ أعوامِ الحصارِ والابتلاءِ، لِتَنقلَ المصطفى ﷺ من ضيقِ الأرض إلى سَعَةِ السَّماواتِ العُلى، إنَّ اللهَ تعالى -الذي لا يَحويهِ مَكانٌ ولا يَحدُّه زَمانٌ- لم يَستدعِ نبيَّه لِيُعرِّفَهُ مَكانَهُ، بل لِيُشهِدَهُ على مَقامِه عندَه، ويُطْلِعَهُ على مَلَكوتِه، ويُريَهُ من آياتِه الكُبرى ما يَجعلُ بَصرهُ يَميدُ بالجمالِ دونَ أنْ يَزيغَ أو يَطغى.

المَوْكِبُ المَلَائكِيُّ النبوي الرباني تكريما لحضرة النبي ﷺ

بدأَ الاحتفاءُ بلحظةِ الانطلاقِ، حيثُ لم يُؤمَرْ صاحب الجناب المكرم ﷺ بالمشيِ بَلْ جِيءَ له بالبُراقِ، وهي دابَّةٌ فوقَ الحمارِ ودونَ البغلِ، يَضعُ حافِرَهُ عندَ مُنتهى بَصَرِهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَخْرَجَنِي، فَإِذَا عَلَى الْبَيْتِ دَابَّةٌ دُونَ الْبَغْلِ، وَفَوْقَ الْحِمَارِ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهَا، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ» ⦗ المعجم الكبير للطبراني:١٠٥٩ ⦘. واللطيفةُ هنا أنَّ الرُّكوبَ هو شيمةُ الملوكِ والـمُكرمينَ، فكان البُراقُ بـمثابةِ الـمَركبِ النورانيِّ لهذا الموكبِ المهيبِ.

وعِندما رَكبَ النبيُّ ﷺ، استصعبَ البُراقُ زَهْوًا وفَرحًا بـمَنْ عَلاه، فكانَ الردُّ من جبريلَ عليه السلامُ تَبيانًا لِلقَدْرِ والمَكانةِ، فعنْ أَنَسٍ- رضي الله عنه - "أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِالبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ»، قَالَ: «فَارْفَضَّ عَرَقًا» [سنن الترمذي: ٣١٣١]، فتَصَبَّبَ البُراقُ عَرَقًا حَياءً من هذا المَقامِ. إنَّ هذا المشهدَ يُؤصِّلُ لِحقيقةِ أنَّ جَميعَ الكائناتِ، حتى الغيبيَّةِ منها، تَعرفُ قَدْرَ المصطفى ﷺ وتَتواضعُ لِعظمتهِ التي استمدَّها من اصطفاءِ ربِّه له.


رفيق الرحلة الكونية جبريل -عليه السلام- خادما للحضرة النبوية

في رِحلةِ المِعراجِ، لم يكن جبريلُ عليه السلامُ مجردَ مُبلِّغٍ لِلوحيِ، بل كانَ رفيقًا ومُضيفًا وخادمًا لِحضرةِ النبيِّ ﷺ، ومَن يَتأملُ في لغةِ الحوارِ السَّماويِّ يَجدُ العَجَبَ؛ فعندَ كلِّ بابٍ من أبوابِ السَّماواتِ السَّبعِ، كان جبريلُ يَستفتحُ، فتَسألهُ الملائكةُ الـمُوكَّلَةُ بالأبوابِ: مَن مَعكَ؟ فيقولُ: مُحَمَّدٌ. فيَسألونَ بلهفةِ الـمُشتاقِ: وقد بُعثَ إليه؟ فيقولُ: نعم. فيَكونُ الجوابُ الـمُوحَّدُ في كلِّ السَّماواتِ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ. [انظر: صحيح البخاري: ٣٢٠٧].

إنَّ الاستفتاحَ هنا ليس لأنَّ الأبوابَ مُغلقة أمامَ النبيِّ ﷺ، بل لِيُعلنَ مَقدمَهُ الشريفَ في أرْجاءِ الملكوتِ، ولِيَسمعَ المصطفى ﷺ بـأُذُنهِ صَدى ترحيبِ أهلِ السَّماءِ به، فإذا كانَ قد أُوذِيَ في الأرضِ وضُيقَ عليه فيها من أهلها، فإنَّ أبوابَ السَّماواتِ تُفتحُ لـه على مِصراعيها، وجبريلُ -أمينُ الوحيِ- يَقومُ بـينَ يَديهِ دليلًا ومُؤنِسًا.

تشريف مِحْرَابِ الأَقْصَى بإِمَامَةِ سيد الكَوْنِين وبَيْعَةُ الأَنْبِيَاءِ
تَجلى التكريمُ النبويُّ في المسجدِ الأقصى بأبهى صُوَرِهِ، حيثُ جُمعَ له جَميعُ الأنبياءِ والـمُرسلينَ من لَدُنْ آدمَ إلى عيسى عليهم السلامُ. إنَّ جَمْعَهم في صَعيدٍ واحدٍ هو مُعجزةٌ في حدِّ ذاتها، ولكنَّ الاحتفاءَ الحقيقيَّ كان في تَقديمِ النبيِّ ﷺ لِيُصليَ بهم إمامًا.

هذا الموقفُ يَنطقُ بـ السِّيادةِ الـمُطلقةِ؛ فكلُّ الأنبياءِ -على جَلالةِ قَدْرِهم- هم جُنودٌ في كتيبةِ الحقِّ التي يَقودُها سيدنا محمدٌ ﷺ، وبِهذه الإمامةِ، أخذَ النبيُّ ﷺ البيعةَ من كلِّ المناهجِ السابقةِ، لِيُعلنَ أنَّ قِبلتَهُ هي الجَامعةُ، وأنَّ شريعتَهُ هي الـمُهيمنةُ. وقد وَصفَ النبيُّ  ﷺ هذا المَشهدَ بقولهِ: «...حَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ. فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنً الصَّلَاةِ قَالَ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ صَاحِبُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فالتفت إليه فبدأني بالسلام» [صحيح مسلم: ١٧٢]، واللَّطيفةُ هنا أنَّ مَلَكًا مَهيبًا كـ مالكٍ- عليه السلام - الذي لم يَضحكْ قطُّ، هو مَن بَدأَ النبيَّ ﷺ بالسلامِ إجلالًا وتوقيرًا.


احتفاء الأَنْبِيَاءِ فِي السَّمَاواتِ بسيد الكائنات

حينَ عَرَجَ به جبريلُ في طَبقاتِ السَّماواتِ، كان كلُّ نبيٍّ يَلقاهُ يَزفُّ إليه من كلماتِ الحُبِّ ما يُثبِّتُ فُؤادَهُ، ففي السَّماءِ الأولى لقِيَ آدمَ عليه السلامُ، فرَحَّبَ به وقال: «مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ»، وتكرَّرَ هذا الترحيبُ من عيسى ويحيى ويوسفَ وإدريسَ وهارون وموسى وإبراهيمَ – عليهم السلام -، إلا أنَّ سيدنا إبراهيمَ عليه السلامُ زادَ في التكريمِ بأنَّه كان مُسندًا ظهرهُ إلى البيتِ المعمورِ، فاستقبلَ حفيدَهُ ﷺ بالترحيبِ والبُشرى.

إنَّ هذا الاحتفاءَ النبوي الجماعيَّ من قِبَلِ الأنبياءِ يُبينُ مَقامَ الوراثةِ الخاتمةِ؛ فكأنما السَّماواتُ قد تَزيَّنتْ بـرُؤوسِ الهِدَايةِ لِيَحتفلوا بـمَن هو أكملُهم مَقامًا وأعظمُهم عِلمًا، ولم يَكتفِ الأنبياءُ بالترحيبِ، بل قَدَّموا لـه الهدايا المعرفيةَ، كموسى عليه السلامُ الذي أظهر الشَفَقَة على أمةِ محمدٍ ﷺ وأشارَ عليه بالتخفيفِ في الصلاةِ، وإبراهيمَ  عليه السلام الذي حَمَّلَهُ السلامَ كما قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ المَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ» [أخرجه الترمذي في سننه برقم٣٤٦٢].


سِدْرَةُ المُنْتَهَى والتكريم بمَقام الانْفِرادِ

وَصلَ صاحب الجناب المعظم ﷺ إلى مَقامٍ انقطعَ فيه عِلْمُ الخَلائقِ، وهو سِدرةُ المُنتهى، عِندئذٍ توقَّفَ جبريلُ عليه السلامُ ،قال رسول الله  - صلى الله عليه وسلم - : «وفيها ملائكة لا يعلم عددها إلَّا الله عز وجل ومقام جبريل عليه السلام فِي وسطها، فلما انتهيت إليها قال لي جبريل عليه السلام: يَا محمَّد! عليك السلام، تقدم، فقلت: يَا جبريل! بل  تقدم أَنْتَ ، فقال: بل تقدم يَا محمَّد، فإنك أكرم على الله مني» [تفسير الثعلبي:١٦٩٣] ، وفي هذا المعنى قيل: فواللهِ لو تَقدمتُ لاحترقتُ بأنوار الجلال، ولو تَقَدَّمْتَ أنتَ لاختَرقتَ بأنوار الكمال. وهذا هو مَقامُ الانفرادِ الذي لم يَطأهُ أحدٌ غيرُه.

وصَفَ النبيُّ ﷺ السِّدرةَ بـأوصافٍ تَسبي العقولَ، فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ، فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا» [صحيح مسلم: ١٦٢]، إنَّ هذا الغَشيانَ النورانيَّ والتبدُّلَ في الألوانِ والجمالِ كان تَمهيدًا لـمَا هو أعظمُ؛ وهو اللقاءُ بحضرةِ الذاتِ الإلهيةِ، وقَد خَلَّدَ القرآنُ الكريمُ هذا الثباتَ النبويَّ الـمُعجِزَ بقوله تعالى: ﴿إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ * مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ * لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ﴾ [النجم: ١٦-١٨]  ؛ ففي حِينِ أنَّ الجبالَ تَدَكدكتْ من تَجلِّي رَبِّها، ثَبَتَ قلبُ المصطفى ﷺ وصَمَدَ بَصرهُ لِأنَّه مَـخلوقٌ لِهذا الـمَقامِ.