رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

كيف تصنع جامعة الإسكندرية تاريخها الطبي عبر الإبلاغ عن الحالات النادرة؟

بوابة الوفد الإلكترونية

 

في أروقة مستشفيات الإسكندرية، وبين أقسام الطوارئ والباطنة والجراحة، تمر يوميًا حالات إكلينيكية غير معتادة، بعضها نادر إلى حد أن الطبيب قد لا يراه سوى مرة واحدة في حياته المهنية، هذه الحالات غالبًا ما تُعالج، ثم تُطوى صفحتها مع خروج المريض، دون أن تترك أثرًا علميًا يُضاف إلى المعرفة الطبية العالمية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
هل ندرك قيمة ما نراه؟ وهل نوثّق واقعنا الطبي كما ينبغي؟

(الإبلاغ عن الحالات النادرة: لماذا هو مهم؟)

الإبلاغ عن الحالات الطبية النادرة (Case Reports) ليس رفاهية علمية، ولا حكرًا على المراكز البحثية الكبرى في العالم، بل هو أحد أعمدة المعرفة الطبية، ومنه انطلقت كثير من الاكتشافات التي غيّرت فهمنا للأمراض وطرق تشخيصها وعلاجها.
فالعديد من المتلازمات والأعراض الجانبية للأدوية، لم تُكتشف عبر دراسات ضخمة، وإنما بدأت بحالة واحدة لفتت انتباه طبيب يقظ قرر أن يدوّن ما رآه.
وتكتسب تقارير الحالات أهمية استثنائية عند النظر إلى بدايات الأوبئة وانتشارها؛ فكثير من الأوبئة العالمية بدأت بتقارير حالات فردية أو سلاسل حالات صغيرة في مناطق جغرافية محددة، كانت بمثابة جرس إنذار مبكر للمجتمع الطبي. الإبلاغ المبكر عن أنماط غير معتادة، أو أعراض جديدة، أو تزايد غير مفسَّر في حالات متشابهة، كان في أحيان كثيرة الخطوة الأولى لفهم مرض ناشئ أو وباء في طور التشكّل، قبل أن يتحول إلى أزمة صحية عالمية.


إن توثيق هذه الحالات لا يخدم الباحث وحده، بل يمنح الطب المصري حضورًا حقيقيًا في الأدبيات العالمية، ويحوّل ما نشاهده يوميًا في مستشفياتنا من خبرات فردية عابرة إلى معرفة علمية باقية، تُقرأ، وتُناقش، ويُبنى عليها.


(طلاب يقودون المبادرة)

في هذا السياق، يبرز نموذج مُلهم لطالبين من جامعة الإسكندرية، محمد محمود مرعي وملك أحمد حسن، جمعهما الشغف بالبحث العلمي، والرغبة الصادقة في أن يكون للحالات الإكلينيكية المصرية مكانها المستحق في الأدبيات الطبية العالمية.
لم ينتظرا أن يصبحا استشاريين، ولم ينظرا إلى البحث العلمي كترفٍ مؤجَّل، بل آمنا بأن:
«كل حالة نادرة غير منشورة هي فرصة علمية ضائعة».
بدأت رحلتهما من الملاحظة الإكلينيكية الدقيقة، مرورًا بمراجعة الأدبيات الطبية، والتواصل الفعّال مع الأطباء المشرفين، وصولًا إلى تحويل القصص السريرية التي تمر يوميًا في مستشفيات الإسكندرية إلى تقارير حالات علمية قابلة للنشر، تُسهم في تمثيل الإسكندرية ومصر في المجلات الطبية الدولية.
وقد أثمرت هذه الجهود عن نشر ما يقرب من 10 حالات طبية نادرة في مجلات محكّمة، في إنجاز يُعد لافتًا على مستوى طلاب الطب. ولا تزال الرحلة مستمرة، حيث يعملان حاليًا على نشر نحو 15 حالة نادرة أخرى، وذلك بالتعاون مع استشاريين من مختلف المستشفيات العربية.

(مستشفيات الإسكندرية: كنز غير مُستغل)

المستشفيات الجامعية والعامة في الإسكندرية تستقبل أعدادًا ضخمة من المرضى من مختلف المحافظات، ما يجعلها بيئة مثالية لرؤية:
حالات نادرة، أمراض في مراحل متقدمة، تداخلات مرضية معقدة، لكن غياب ثقافة التوثيق والنشر، وضيق الوقت، وعدم التدريب الكافي على كتابة التقارير السريرية، كلها عوامل تجعل هذا الكنز العلمي غير مُستغل بالشكل الأمثل.

(دعوة مفتوحة)

هذا المقال دعوة مفتوحة للعاملين بالمجال الطبي أن ينظروا للحالة السريرية بعين الباحث، للأطباء الشباب أن يوثقوا ما يرونه، وللمؤسسات الطبية أن تدعم ثقافة النشر العلمي.

( من الإسكندرية إلى العالم)

عندما تُنشر حالة نادرة من مستشفى مصري، فإنها لا تمثل مريضًا واحدًا فقط، بل تمثل: مدرسة طبية، نظامًا صحيًا، واقعًا سريريًا كاملًا، وهكذا، من سرير مريض في الإسكندرية، يمكن أن تبدأ معرفة تُفيد طبيبًا في قارة أخرى.
لأن الحالات النادرة لا تصنع التاريخ… بل من يكتبها.

333
333
22
22
1
1