رؤية حرة
يبدو أن عام 2026 سيكون أسود من «كوع النمس» على العالم أجمع، وإن سألتني عن معنى المصطلح، سأجيبك بأنه تعبير يتداوله من بلغوا من الكِبَر عتيًا في صعيد مصر عن الأيام «المِش ولا بُد»، أقول قولي هذا وأنا أطالع واقعة اختطاف نفذتها الولايات المتحدة الأمريكية بحق رئيس فنزويلا وزوجته من غرفة نومهما، في مشهد صادم يؤكد أن القوانين الدولية باتت تُدهس بالأحذية الغليظة، وهو حادث يكشف كيف تحول من يدعون التقدم والتحضر إلى عصابات تهدد مستقبل الشرق الأوسط، وتدفع العالم كله إلى حالة تأهب ووقوف على أطراف الأصابع، بعدما صار واضحًا أن رئيس الدولة لم يعد في مأمن حتى وهو نائم.. نوم العوافي!.
لقد كشفت الإدارة الأمريكية عن وجه بالغ السوء بهذا التصرف، وهل كانوا يبيعون السُبح قبل ذلك؟ بالطبع لا، لكن ما يحدث الآن تجاوز كل ما اعتاده العالم من ضغوط وابتزاز سياسي، فالرجل ترامب لا يكف عن "مسك الحديدة"، والتلويح بتهديد الدول، بل واختطاف رؤسائها إذا لزم الأمر، وكأن الأمر بات سياسة معلنة لا تستدعي حتى تبريرًا، وهذا الوعيد محفوظ سلفًا لكل من يحيد عن الركب، يا للأسى، دولة عظمى يُفترض أن تمسك العقل، فإذا بها تسعى لتقليب جيوب العالم دون خجل، وتضع حصوة ملح في عينها، ثم تُخرج لسانها للشعوب قاطبة، في تحدٍّ صارخ لما يُسمى القانون الدولي، عليه سحائب الرحمات.. الفاتحة.
وفي خضم ما يجري الجميع الآن يتحسس مسدسه، وفي القلب منهم كولومبيا، وقد نشرت خلال الأيام الماضية ثلاثين ألف جندي على حدودها استعدادًا للغزو الأمريكي، وخوفًا من اختطاف رئيسها بعد ما حدث في فنزويلا، جميل، وأين كان جيش فنزويلا عندما اختُطف الرئيس بالترنج؟ يا لطيف، لم يضرب أحدٌ منهم طلقة خرطوش في بهو القصر، ولو حتى لزوم الشو، بل هبطت قوات دلتا الأمريكية وخرجت بالراجل كأنها تشحن شوال بطاطس في عربة لتفرتش بها في السوق، إذن، هناك علامات استفهام حول الصمت والرضوخ، فالحرس كان يجب أن يفنى عن بكرة أبيه قبل أن يُختطف كبيرهم، ورجل البيت، أي بيت؟! فالرجل ذهب مع الريح!.
ويتضح أن الأمريكيين بهذا الفعل الإجرامي اختصروا كل فنون الحرب في درس واحد، وهو "تعلم الاختطاف قبل الإفطار"، فبدل أن يشرحوا للجنود فنون الدبلوماسية، صاروا يدربونهم على كيفية فتح الأبواب بصمت، والتعامل مع الرؤساء أثناء النوم، حتى لو كان القصر كله حولك، كما لو أن العالم صار فندقًا يُدار بقوانين "نوم الرئيس إزاي؟" وطبعًا لا تنسوا أن القهوة الصباحية واجبة قبل كل عملية، فالأمر يحتاج إلى تركيز عالٍ، والنظام العالمي صار نسخة طبق الأصل من مسلسل كوميدي أسود.
من الآخر، ستذكرون ما أقول لكم؛ المرحلة المقبلة ستشهد خزعبلات أمريكية تضع المنطقة بأكملها على المحك، وتدفع بتسليح الجيوش إلى صدارة الأولويات، فالمشهد القادم يؤكد أنه لا مكان للضعفاء ولا للمترددين، بل سيبقى فقط من يكشر عن أنيابه ويقف زنّارًا في الدفاع عن سيادته وأمنه القومي، فالعالم اليوم ليس على كف عفريت فحسب، بل تُختطف إرادته على مرأى ومسمع الخلق، طمعًا في الثروات أو النفط، ويبدو أن مطلع العام جاء مبشرًا بأن شغل النصب والسرقة و"الهليبة" هو الحاكم الفعلي لهذا المشهد المخزي، وإن سألتني عن القانون الدولي يا محترم، فسأخبرك بأن المرحوم كان أصيلًا.