تاريخ نشأة علم التفسير والمفسرون
من المقرر شرعًا أن القرآن الكريم كتاب الله العظيم هو منهج الله تعالى للناس في كل جوانب حياتهم، وقد تكفل الله بتوضيح معانيه وتفسيره عبر الأنبياء والصحابة والتابعين.
التفسير وبيان مراد الله
والقرآن الكريم هو منهج الله تعالى للناس في كل ما يتعلق بأمور دينهم ودنياهم وأُخراهم؛ من اتبع هداه فلا يضل ولا يشقى، ومن أعرض عنه فإن له معيشة ضنكًا، ويحشر يوم القيامة أعمى، ولما كان العمل به متوقفًا على بيان نصه، وتوضيح غرضه، فقد تكفل الله بذلك، حتى لا يكون للناس على الله حجة، قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَیۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ * فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ * ثُمَّ إِنَّ عَلَیۡنَا بَیَانَهُۥ﴾ [القيامة: ١٧-١٩].
ومن هذا المنطلق فقد قيّض الله للبشر في كل عصر من يبين لهم هذا النص القرآني، ويوضح لهم المقصود منه، وبدا هذا التقييض واضحًا منذ عهد النبي ﷺ إلى الآن، قال تعالى: ﴿بِٱلۡبَیِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤] جلس النبي ﷺ بين أصحابه، ليفصل لهم ما أجمل من القرآن، وليزيل عن أذهانهم ما علق بها من لبس، وليبين لهم تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتوضيح المبهم، وغير ذلك.
التفسير النبوي وأثر الصحابة والتابعين
وكان الصحابة – رضوان الله عليهم – حريصين كل الحرص على ملازمة مجلس رسول الله ﷺ، بل وجدنا بعضهم كان يتناوب مع صاحبه حضور المجلس النبوي إذ لم يستطع الملازمة.
فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال: "كنت أنا وجاري من الأنصار في بني أمية بن زيد – وهي من عوالي المدينة
– نتناوب النزول على رسول الله ﷺ، ينزل يومًا وأنزل يومًا، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك" [رواه البخاري].
فلما انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى قيض الله عز وجل للناس صحابته الكرام، ليبينوا لهم مراده من كلامه، وقد ظل الصحابة يفسرون للناس ما احتاجوا إلى تفسيره.
ولما جاء عصر التابعين قيّض الله منهم من يأخذ العلم على أيدي المفسرين من الصحابة، حتى صاروا علماء نابغين، بل كان منهم من يفتي في وجود أستاذه بأمر منه.
وكان للتابعين مقومات جيدة كانوا يعتمدون عليها في تفسيرهم، فأنتجوا لنا كمًا عظيمًا من التفسير.
وظل التفسير بالمأثور – قرآن، وسنة، وأقوال الصحابة والتابعين – يتناقل شفويًا، حتى دخل عصر التدوين. ثم دخل التفسير في أطوار أخرى من عصر إلى عصر، تتلون ألوانه بتلون اتجاهات أصحابها، حتى وصل إلى عصرنا هذا، وقد أخذ من كل لون، ولا غرو في ذلك؛ فهو ماسة ربانية، ينظر كل منهم إلى زاوية من زواياها، فتستهويه، ولا يكاد يصرف نظره عنها، وهو البحر الذي لا ساحل له ولا قرار، وبقدر ما عند الصياد من استعداد وأدوات، بقدر ما يصطاد منه، ليأكل ويبيع ويقتات.