رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى مشهد يكاد يُخيل للناظر أنه خرج من كتب التاريخ لا من نشرات الأخبار، تعود سياسات القوة العارية لتفرض نفسها على النظام الدولى، كأن القرن الحادى والعشرين لم يتعلم شيئاً من كوارث القرن العشرين. دول كانت تزعم أنها حارسة «النظام العالمي» و«القانون الدولى» باتت، بلا مواربة، تمارس ما كان يُعرف قديماً بـ«دبلوماسية البارود»: فرض الإرادة السياسية بالسلاح، وإعادة رسم الجغرافيا بالقصف، وإنتاج أنظمة تابعة عبر الاحتلال أو الوصاية غير المعلنة. فى مقدمة هذا التحوّل المقلق تقف اليوم كلٌّ من الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد عادتا —كلٌّ بطريقته— إلى قاموسٍ استعمارى ظن العالم أنه تجاوزه.

ليس الجديد هنا هو استخدام القوة، فالقوة كانت دائماً جزءاً من السياسة الدولية، بل الجديد هو الفجاجة، والعلنية، والاستخفاف الصريح بكل ما راكمته البشرية من مواثيق وقواعد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. حين تُستبدل لغة القانون بلغة الصواريخ، وحين يصبح «الأمن» ذريعةً مفتوحة لاحتلال الأرض، وتجريف المدن، وإعادة هندسة المجتمعات، فإننا لا نكون أمام «حرب استثنائية»، بل أمام عودة كاملة لمنطق الإمبراطوريات: القوة تصنع الحق، والمنتصر يكتب التاريخ.

وتتكرّر الوصفة ذاتها: ضربٌ عسكرى مكثّف، تفكيكٌ لبُنى الدولة والمجتمع، ثم البحث عن «قيادات محلية» ضعيفة، قابلة للتطويع، تُمنح شرعية شكلية مقابل ولائها. هكذا يُعاد إنتاج الاستعمار لا بأعلامه القديمة، بل بأدوات معاصرة: حكومات هشة، اقتصادات مرهونة، وأمن يُدار من الخارج. وما يُقدَّم على أنه «إعادة استقرار» لا يكون، فى جوهره، إلا إعادة توزيع للنفوذ، على حساب سيادة الشعوب وحقها فى تقرير مصيرها.

الأخطر من ذلك أن هذا النموذج، إذا ما مرّ بلا مقاومة سياسية وأخلاقية وقانونية، سيغدو سابقةً قابلة للتعميم. فإذا سُمح لدولة قوية أن تحتل أرضاً، كما فعلت وتفعل إسرائيل فى الاراضى العربية، أو تفرض نظاماً، أو تغيّر حدوداً بالقوة، كما تفعل الولايات المتحدة الآن فى فنزويلا، فلماذا يمتنع غيرها غداً؟ هنا لا يعود العالم «نظاماً دولياً»، بل يتحوّل إلى غابة، حيث تحكم الكتلة العسكرية الأكبر، ويُسحق الضعفاء باسم الواقعية السياسية.

فى منطقتنا العربية، الخطر واقع لا افتراض. فالتاريخ القريب يثبت أن التنازل الأول يستدرج ما بعده، وأن الصمت على اغتصاب الأرض والسيادة لا يصنع سلاماً، بل يؤجّل الانفجار.  وإذا لم يُواجَه هذا الارتداد الاستعمارى سياسياً وقانونياً وأخلاقياً، فستُرسم الخرائط بالنار لا بالتفاوض.

وليست هذه دعوة إلى حرب، بل إلى مقاومة واعية وشاملة تعيد الاعتبار لمبدأ أخلاقى بسيط: لا أمن بلا عدالة، ولا استقرار بالقوة، ولا عالم صالح للحياة إذا تُرك لسطوة الأقوى.

فإما أن نكسر هذا الانحدار باستعادة صارمة لمنطق القانون ورفضٍ لا لبس فيه لهذه البلطجة الدولية، وإمّا أن نستيقظ على عالمٍ تحكمه القوة وحدها؛ عالم بلا أمان ولا عدالة ولا رحمة.