بعد خفض الفائدة
1.5 تريليون جنيه تبحث عن ملاذ آمن
أربك قرار البنك المركزى المصرى بخفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس، المودعين، خاصة مع اقتراب موعد استحقاق عائد الشهادات السنوية خلال شهر يناير المقبل، والتى تُقدَّر قيمتها بنحو 1.5 تريليون جنيه.
وطالب المودعون وخبراء الاقتصاد بطرح شهادة ادخارية جديدة لمدة عام واحد، تتناسب مع احتياجات العملاء، بهدف جذب السيولة المرتفعة التى قد تؤدى إلى زيادة معدلات التضخم خلال شهر يناير المقبل.
ويأتى ذلك فى ظل خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالى بنسبة 7.25 فى المائة، مع توقعات بخفض إضافى قد يصل إلى 9 فى المائة خلال عام 2026، حيث تشير بعض المراكز البحثية إلى إمكانية وصول أسعار الفائدة إلى نحو 11 فى المائة بنهاية عام 2026.
وفى المقابل، يستهدف البنك المركزى المصرى تحقيق معدلات تضخم عند مستوى 7 فى المائة، إذ أكدت لجنة السياسة النقدية أنها لن تتردد فى استخدام الأدوات المتاحة لديها لتحقيق استقرار الأسعار، من خلال توجيه التضخم نحو مستهدفة البالغ 7 فى المائة، بزيادة أو خفض قدرها نقطتان مئويتان، خلال الربع الرابع من عام 2026 فى المتوسط.
وعقدت لجنة السياسة النقدية ثمانية اجتماعات خلال العام الحالى، وقررت خفض أسعار الفائدة بإجمالى 7.25 فى المائة، ليصل سعرى عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزى، إلى 20.00 فى المائة و21.00 فى المائة و20.50 فى المائة على الترتيب، إلى جانب خفض سعر الائتمان والخصم إلى 20.50 فى المائة وذلك بعد خفض الفائدة أمس الأول 100 نقطة.
طالب وليد جاب الله، الخبير الاقتصادى، البنوك بتنويع الأوعية الادخارية من خلال إصدار شهادات جديدة بمدد أقل من الموجودة حاليًا، والتى تمتد إلى ثلاث وخمس وسبع سنوات، فى حين أن السوق يحتاج إلى شهادات لمدة عام وعامين. ونوّه إلى أهمية طرح هذه الشهادات من أجل امتصاص السيولة الكبيرة التى ستبدأ خلال الأسبوع المقبل فى النزول إلى أصحابها، والتى تُقدر بنحو 1.5 تريليون جنيه.
ولفت إلى أن الشهادات مرتفعة العائد بنسبة 27 فى المائة سوف تُضاف إلى حسابات أصحابها خلال الأيام المقبلة، وقد تؤثر بشكل سلبى فى معدلات التضخم خلال الفترة القادمة، مشيرًا إلى أن هذا الأثر لن يقتصر على السلع الاستهلاكية فقط، وإنما سيمتد إلى السلع الاستثمارية، حيث يمكن أن تؤدى هذه الأموال إلى ارتفاع أسعار الأراضى والوحدات السكنية والسلع الرأسمالية.
وأضاف «جاب الله» أن هناك بدائل مثل الاستثمار فى الأسهم، لكنها تتطلب مستثمرًا يتمتع بقدر كافٍ من الوعى بسوق المال، كما يوجد الذهب، الذى يناسب أصحاب المبالغ الكبيرة والاستثمار طويل الأجل، لكنه لا يناسب الأسر التى تستثمر على المدى القصير وتبحث عن عائد دورى، إذ قد تنخفض أسعار الذهب فى الوقت الذى تحتاج فيه هذه الأسر إلى السيولة، ما يجعله خيارًا غير مناسب لها.
وقال الدكتور على الإدريسى، أستاذ الاقتصاد الدولى وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، إن خفض أسعار الفائدة يُعد خطوة طبيعية فى دورة السياسة النقدية بعد فترات التشديد، لكنه يحمل أثرًا مباشرًا على أصحاب الودائع البنكية، خاصة من يعتمدون على العائد الثابت كمصدر دخل أساسى. ومع تراجع العائد الحقيقى، يبدأ المودع فى البحث عن بدائل تحافظ على قيمة أمواله أو تحقق عائدًا أعلى.
وأوضح «الإدريسى» أنه فى المرحلة الأولى يظل جزءا كبيرا من أصحاب الودائع متمسكًا بالشهادات والودائع قصيرة الأجل بدافع الأمان وسهولة السيولة، خاصة كبار السن ومن لا يفضلون المخاطرة. لكن مع استمرار خفض الفائدة، يتجه بعض المودعين إلى إعادة توزيع مدخراتهم نحو أدوات أخرى، مثل أذون وسندات الخزانة طويلة الأجل أو صناديق الدخل الثابت، باعتبارها أقل مخاطرة من الاستثمار المباشر وتحقق عائدًا أفضل نسبيًا.
وفى المقابل، أشار «الإدريسى» إلى أن شريحة أخرى قد تتجه إلى الاستثمار الحقيقى، مثل العقارات أو المشروعات الصغيرة، خاصة إذا تزامن خفض الفائدة مع تحسن مناخ الأعمال وزيادة الطلب. كما يظهر اهتمام متزايد بالبورصة، خصوصًا الأسهم ذات العائد الدورى، إلا أن هذا الخيار يظل مرتبطًا بدرجة الوعى الاستثمارى والقدرة على تحمل المخاطر.
وأكد أن خفض الفائدة لا يُقصد به الإضرار بالمودعين، وإنما يهدف إلى تحفيز الاستثمار والاستهلاك وتقليل تكلفة الاقتراض على الدولة والقطاع الخاص، مشيرًا إلى أن نجاح هذه السياسة يتوقف على توافر بدائل استثمارية آمنة ومتنوعة، وعلى قدرة البنوك على تقديم منتجات ادخارية مرنة تحافظ على جاذبية الادخار دون تحميل الاقتصاد تكلفة تمويل مرتفعة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض