صونًا للأنساب وحفظًا للحقوق الشرعية والاجتماعية
التبنى المحرّم والكفالة المشرعة.. فى ميزان الشرع
فى زمنٍ سبق البعثة النبوية، عاشت الجزيرة العربية مفهومًا مختلفًا للتبنّى، تجلّى بوضوح فى قصة الصحابى الجليل زيد بن حارثة، الذى كان يُنادى بين الناس بـ«زيد بن محمد»، حتى جاء الوحى الإلهى ليقلب هذا المفهوم رأسًا على عقب، ويضع حدًّا قاطعًا للتبنّى بصورته الجاهلية، مؤكدًا أن النسب حقٌّ أصيل لا يجوز العبث به، وأن انتساب الطفل يجب أن يكون لأبيه الحقيقى، صونًا للأنساب وحفظًا للحقوق الشرعية والاجتماعية.
ورغم وضوح النص القرآنى، لا تزال الحكمة من تحريم التبنّى فى الإسلام محل تساؤل وجدال لدى كثيرين، وقد عاد هذا الجدل إلى الواجهة مؤخرًا بعد تصريحات للفنانة إيمان العاصى، التى أثارت تفاعلًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعى، تساءلت فيها بلهجة حائرة: «عمرى ما قلبى ارتاح لإجابة ليه التبنى حرام؟».
فما الفارق الجوهرى بين التبنّى المحرَّم وكفالة اليتيم التى حثّ عليها الدين، فى محاولة للإجابة عن سؤال يتكرر بإلحاح: لماذا حرّم الإسلام التبنّي؟ وعلى أى ميزانٍ أقام هذا الحكم؟
حماية الأنساب
يقول الشيخ محمد عبدالسميع، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، إن الشريعة الإسلامية فرّقت تفريقًا واضحًا بين الكفالة والتبنّى، موضحًا أن الكفالة تعنى رعاية الطفل والقيام على شئونه كاملة من إنفاق وتعليم ورعاية صحية وتوفير حياة كريمة، وهو أمر جائز شرعًا ومأجور عليه.
وتابع أمين الفتوى، لكن التبنّى المحرّم شرعًا هو ما يتمثل فى نسبة الطفل إلى غير أبيه الحقيقى، وتغيير اسمه واستخراج أوراق رسمية تُثبت أنه ابنٌ لغير والده، مؤكدًا أن هذا الأمر يؤدى إلى اختلاط الأنساب، وهو ما حرّمه الإسلام تحريمًا قاطعًا.
وأشار الشيخ محمد عبدالسميع إلى أن الله سبحانه وتعالى أمر بالحفاظ على الأنساب، مستشهدًا بقوله تعالى:
«ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ»، مبينًا أن تغيير النسب يترتب عليه مفاسد شرعية كبيرة، من بينها إباحة ما حرّم الله وتحريم ما أحلّه فى الأصل.
التبنى المُحرم والكفالة الشرعية
كما رد الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر الشريف، على تصريحات الفنانه إيمان العاصى موضحًا أن الشريعة الإسلامية لم تحرم الرغبة فى رعاية الأطفال أو العمل الخيرى تجاههم، لكنها وضعت ضوابط صارمة تهدف إلى حفظ حقوق الأجيال وحماية الأنساب، فالتبنى التقليدى، الذى يغير اسم الطفل وينسبه للمتبنى، محرم شرعًا، لأن النسب ليس مجرد اسم بل هو أساس الأحكام الشرعية المتعلقة بالميراث والمحرمية والولاية.
وأشار الدكتور قابيل إلى أن الإسلام يتيح الكفالة الشرعية أو الاحتضان البديل كحل كامل، يمكن من خلاله رعاية الطفل وتوفير الحب والتعليم والأمان والإنفاق، مع الالتزام بعدم تغيير نسبه.
واختتم قابيل تصريحه بدعوة الأسر الراغبة فى رعاية الأطفال إلى الالتزام بالقنوات الرسمية لإتمام إجراءات الكفالة الشرعية والقانونية، لضمان حقوق الطفل وأسرته الطبيعية، ولتحقيق توازن بين الرحمة الإنسانية والالتزام الشرعى.
كفالة مجهول ومعلوم النسب
أما عن اختلاف كفالة اليتيم مجهول النسب عن معلوم النسب فى ميزان الشريعة الإسلامية؟، أكد الدكتور أحمد وسام، أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية، أن كفالة اليتيم مجهول النسب لا تختلف عن كفالة اليتيم معلوم النسب من حيث الحكم والثواب، موضحًا أن الكفالة فى جوهرها تعنى رعاية من لا راعى له.
وشدد أمين الفتوى على أن فقدان مجهول النسب للدعم الأسرى بالكامل يجعله أولى بالعناية والرعاية، مؤكدًا أن أجر كفالته لا ينقص شيئًا عن أجر كفالة اليتيم معلوم النسب، بل قد يكون أعظم من حيث المعنى الإنسانى والاجتماعى.
فى السياق ذاته، أكد الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية السابق، أن كفالة اليتيم مجهول النسب لا تقل فضلًا عن كفالة اليتيم المعروف النسب، بل هو أولى بالعناية؛ لأن العلة الأساسية فى فضل كفالة اليتيم هى فقدان الأب، وهذه العلة متحققة فى مجهول النسب بصورة أشد، لما يترتب عليها من آثار نفسية واجتماعية أعمق، تتطلب مزيدًا من الرعاية والاحتواء.
17 ألف أسرة حاضنة
وما وضحته الرؤية الشرعية لكفالة اليتيم من نموذج ناجح لرعاية الطفل وحماية حقوقه، تؤكده الأرقام الرسمية على أرض الواقع؛ فوفقًا لبيانات وزارة التضامن الاجتماعى لعام 2024، يبلغ عدد الأيتام فى مصر نحو 1.4 مليون طفل، فى وقتٍ شهد فيه ملف الرعاية تطورًا ملحوظًا، حيث انخفض عدد مؤسسات رعاية الأيتام من 524 مؤسسة عام 2021 إلى 440 مؤسسة، مقابل ارتفاع عدد الأسر الكافلة إلى نحو 17 ألف أسرة.
وتُظهر البيانات أن نسبة الأطفال المكفولين داخل أسر بديلة تجاوزت عدد الأطفال المقيمين بمؤسسات الرعاية بنسبة 28%، فى مؤشر واضح على تنامى ثقافة الكفالة كبديل إنسانى واجتماعى أكثر استقرارًا، كما يحصل الأيتام على دعم سنوى يقدَّر بنحو 1.750 مليار جنيه، مع تخصيص 5% من برنامج «تكافل وكرامة» لصالحهم، فيما يسهم المجتمع المدنى فى رعاية ما يقرب من 20% من إجمالى عدد الأيتام فى مصر.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض