عاجل
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

هوامش

منذ مئات السنين، أُنشئ الوقف ليكون "مال الله"؛ مالًا محرّمًا العبث به، مخصصًا لخدمة الفقراء وطلاب العلم والمستشفيات والمساجد وأوجه البرّ المختلفة. وظل هذا المال عبر العصور محلّ تقديس واحترام، يُديره العلماء والأوصياء بوصفه أمانة ثقيلة لا تحتمل التفريط. واليوم، أصبحت وزارة الأوقاف هى الجهة الرسمية المنوط بها حماية هذا الإرث الضخم، فهل تمكنت من حماية مال الله فعلًا؟

وزارة الأوقاف تمتلك واحدًا من أكبر الأرصدة العقارية فى مصر: أراضٍ زراعية، مبانٍ، وحدات سكنية، محال تجارية، استثمارات، ومدى شاسع من الأراضى المتناثرة فى المحافظات. هذه الثروة، لو حُسن إدارتها، يمكن أن تكون داعمًا أساسيًا لمشروعات الدولة الاجتماعية والتنموية، وتحقق للدولة دخلًا يليق بحجم الوقف وتاريخه.

لكن الواقع يكشف عن مشكلات متراكمة، بعضها إدارى وبعضها قانونى، أثرت على سمعة إدارة الوقف، وأدخلت المواطنين والوزارة معًا فى دوامة من النزاعات والاتهامات المتبادلة.

أخطر ما يواجهه كثير ممن يتعاملون مع هيئة الأوقاف هو مشكلة بيع الأراضى وما يتبعها من صراعات ملكية، حيث ألقت الأقدار فى طريقى مشكلة كشفت حجم الكارثة وعدم قدرة الأوقاف على حماية مال الله الذى تديره، حيث  تقدم مواطن لشراء قطعة أرض من وزارة الأوقاف وهى جهة حكومية رسمية يُفترض أنها الأكثر موثوقية، ويطلق على عملية شراء الأرض نظام «الاستبدال» بدأ المواطن دفع أقساط منذ عام ٢٠١٦  وهو مطمئن أنه يشترى من "الدولة". ولكن الصدمة عندما انتهى من دفع الثمن  عند خطوة التسجيل، حين ظهرت مستندات أو دعاوى تثبت أن الأرض موقوفة باسم آخرين، أو أن هناك نزاعًا قديمًا على ملكيتها لم يُحسم واكتشف المواطن أن هيئة الأوقاف نفسها لا تستطيع حل مشكلته وتركته يدور فى دوامة أشبه بمن اشترى من شخص غير موثوق فيه وباع الأرض لأكثر من شخص.

هنا يجد المواطن نفسه أمام مهزلة حقيقية، كيف يشترى من جهة حكومية ثم يدخل فى معركة قضائية رغم أنه دفع الثمن؟

من يُعيد له المال؟ من يعوّضه عن السنوات التى يقضيها بين المحاكم؟ ومن يتحمل تكلفة الخطأ: المواطن أم الجهاز الحكومي؟

تكتشف وأنت تغرق فى دوامة إثبات حقك أن أصل المشكلة يعود إلى تراكمات تاريخية، فهناك أوقاف قديمة مسجلة بطرق بدائية أو بلا خرائط دقيقة، وتعديات تمت منذ عقود ولم تُحسم.

ومستندات ورقية متهالكة لم تُرقمن حتى الآن، وهناك تعارض بين "سجلات الوقف الشرعي" و"الملكية المدنية" فى الشهر العقارى.

هذه الفوضى جعلت من بعض أراضى الأوقاف قنبلة نزاعات قابلة للانفجار فى أى لحظة، المسألة خطيرة وحماية مال الوقف يحتاج مواجهة شاملة وحاسمة، أهمها من وجهة نظرى، حصر شامل ودقيق لكل أملاك الوقف مع رقمنة الخرائط والعقود وربطها بالسجل العقارى الرسمى.

ومراجعة قانونية جريئة لحسم جميع النزاعات التاريخية دون ترك ملفات مفتوحة لعقود، وشفافية كاملة فى عمليات البيع والتأجير والاستثمار، وإعلان تفاصيل كل عملية علانية.

وكذلك وضع آلية لتعويض المتضررين الذين اشتروا بحسن نية من جهة حكومية، فلا يجوز أن يتحمل المواطن وحده كلفة الخطأ الإدارى.

أزمة أملاك الأوقاف ليست مجرد تجاذب بين وزارة ومواطنين، بل هى قضية عدالة، وقدرة دولة، وأمانة دينية وتاريخية.

ولا يمكن أن يستقيم حال "مال الله" إلا إذا أُدير بعقلية حديثة ومسئولية صارمة، تحفظه من الهدر، وتحمى المواطن من الوقوع ضحية إجراءات معقدة أو سجلات غير مُحدّثة.

[email protected]