لم يكن قرار مجلس الأمن الأخير بشأن غزة مفاجئًا بقدر ما كان صادمًا في توقيته ومضمونه. فبعد أكثر من عامين من الدم المنهال فوق رؤوس الأطفال، وبعد آلاف الشهداء والمنازل المهدّمة، وبعد حصار خانق فاق حدود إنسانية القرن الحادي والعشرين، ظهر المجلس فجأة بمشروع "خلاق": إرسال قوات دولية وإنشاء مجلس للسلام في غزة! وكأن غزة لم تدفع ما يكفي من أثمان الاحتلال حتى تُمنَح الآن نسخة من الوصاية الدولية المغلفة بشعار الأمم المتحدة.
المجلس الذي فشل مرارًا في اتخاذ قرار لوقف القصف أو فرض حماية حقيقية للمدنيين، قرر أن يختصر الطريق: بدلاً من مساءلة الاحتلال عن جرائمه، أو إلزامه بوقف العدوان ورفع الحصار، فهو يريد وضع غزة تحت إدارة أمنية وسياسية دولية بحجة "ضمان الاستقرار". وما أسهل أن تُباع الوصاية باسم السلام!
الفكرة تبدو للوهلة الأولى إنسانية، لكنها في الحقيقة تُخفي مشروعًا خطيرًا يعيد إنتاج الاحتلال بطريقة أكثر نعومة. قوات دولية؟ من سيقودها؟ من سيحدد قواعد اشتباكها؟ هل ستمنع إسرائيل من القصف؟ أم ستتحول إلى درع بشري يحمي الاحتلال ويضبط سكان غزة كما تضبط قوات الأمم المتحدة مناطق النزاعات التي لم تعرف السلام يومًا؟
ثم يأتي "مجلس السلام" المقترح: هيئة سياسية دولية لم تتضح صلاحياتها، لكنها بالتأكيد ستُعلِّق سيادة غزة تحت شعار "الإدارة المشتركة". من يمنح المجلس شرعية اتخاذ القرار نيابة عن مليونَي إنسان؟ وما معنى أن تُدار غزة بقرارات تُتخذ في نيويورك أو بروكسل بينما أصحاب الأرض محاصرون في رقعة دُمرت وأبيدت بالكامل؟
قرار مجلس الأمن ليس بريئًا بل هو محاولة لإعادة صياغة المشهد السياسي في غزة بحيث تُستبعد المقاومة من معادلة الحكم، ويُفتح الباب واسعًا أمام ترتيبات أمنية ترضي إسرائيل والغرب. القرار لا يتحدث عن محاسبة، لا يتضمن آلية واضحة لإنهاء الاحتلال، ولا يقترب من جذور الأزمة: الاحتلال، الاستيطان، الحصار، وتجريف الحقوق الفلسطينية.
كما أن تدويل غزة بهذه الطريقة سيحوّلها إلى مختبر هندسي تُجرَّب فيه وصفات المجتمع الدولي الفاشلة: مناطق عازلة، قوات رقابة، مجالس انتقالية، لجان مشتركة.. وصفات أثبتت فشلها في البوسنة والكونغو، وهايتي، ومالي، ولبنان وغيرها. لماذا ستنجح فجأة في غزة بينما القوة القائمة بالاحتلال هي اللاعب الأكثر تأثيرًا؟
الأخطر أن القرار يخلق سابقة: عندما تفشل الأمم المتحدة في وقف العدوان، تقترح إدارة المنطقة بدلًا من حماية سكانها. وكأن الفلسطينيين ليسوا شعبًا له حق، بل ملفًا يحتاج إلى رعاية دولية طويلة الأمد.
غزة لا تحتاج إلى قوات دولية تُمسك بيد الاحتلال، ولا إلى مجلس سلام يفاوض بالنيابة عنها. هي تحتاج إلى إنهاء الاحتلال، وقف العدوان، رفع الحصار، وإعادة الإعمار بقرار فلسطيني حر. غير ذلك ليس سلامًا.. بل إعادة ترميم للاحتلال بقفازات دبلوماسية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض