تأملات
هل يمكن القول بأن الدولة الفلسطينية أصبحت فى خبر كان؟ وأن التعويل على قيامها يمثل نوعا من الإغراق فى الأحلام؟ ربما يبدو هذا التساؤل تشاؤميا أكثر من اللازم، وربما يدفع لحالة من اليأس ليس هذا أوان زرعها، ولكن المتأمل لما يجرى من أحداث وتطورات فى المنطقة سيصل إلى أن هذه قد تكون نتيجة طبيعية لهذه الأحداث وتلك التطورات. المشكلة أن الأمر فى التحليل النهائى يجرى وفق المثال القائل «بيدى لا بيد عمرو». لا نبالغ إذا قلنا إن مواقفنا نحن كعرب هى التى تدفع إلى تلك النهاية مهما استعنا ببلاغة اللغة العربية فى تسويق مواقف تؤكد أننا نقف بجوار «أشقائنا الفلسطينيين»!
ربما يكون من المبكر التحليل الكامل لقرار مجلس الأمن فجر أمس الأول بشأن غزة. لكن دون مبالغة فإن القرار ربما يمثل الختم الدولى بالقضاء على فكرة الدولة الفلسطينية، حيث لا ينص القرار الذى يمثل خطة ترامب فيما يتعلق بهذا الجانب سوى على تمهيد الطريق أمام مسار سياسى قد يفضى إلى إقامة دولة فلسطينية فى المستقبل. فى التحليل السياسى لمثل هذه الصياغات فى القرارات الدولية فإنها لا تمثل سوى نهج استرضائى لتمرير مضمون لا يحظى بالقبول. والخطورة هنا أن فكرة الدولة الفلسطينية أصبحت مغيبة عن التنظيم الدولى الذى سيفرض واقعا معينا فى غزة بقوة السلاح. ومن الغريب هنا ترحيب السلطة الفلسطينية فى بيان تصدره اسم دولة فلسطين بالقرار وهو أمر ليس له من الواقع سوى اللفظ فقط.. «دولة».
وعلى ذلك نكرر أنه ليس من قبيل المبالغة التأكيد على أن القرار يعطى للولايات المتحدة وإسرائيل من خلال المنظمة الدولية ما لم يحققاه بالحرب، حيث يركز الطرفان على جنى ثمار ذلك التطور بمزيد من الإدماج لإسرائيل فى المنطقة تحت يافطة الاتفاقيات الإبراهيمية الأمر الذى ألمح إليه نتنياهو حين راح يشير إلى أن إقرار خطة ترامب سيؤدى ذلك إلى مزيد من اندماج لإسرائيل مع جيرانها، بالإضافة إلى توسيع الاتفاقات الإبراهيمية بمزيد من التطبيع مع الدول العربية. وليس أدل على ما نشير إليه سوى موقف ترامب الذى راح بطريقته المعهودة يتهرب من الحديث عن استحقاق الدولة الفلسطينية ردا على سؤال بهذا الشأن يتعلق بمحادثاته مع ولى العهد السعودى محمد بن سلمان حيث راح يجيب أنهما أجريا حديثا جيدا تناول فيه حل الدولة الواحدة، الدولة الثانية والكثير من الأمور!
قد يكون الجديد فى هذا التطور رغم أنه كان متوقعا، هو المزيد من التوجه نحو انضمام السعودية إلى الاتفاقيات الإبراهيمية الأمر الذى عبّر عنه ولى العهد السعودى محمد بن سلمان بشكل واضح يتجاوز المواربات الدبلوماسية السعودية حين أشار ليس فقط إلى قبول المملكة للانضمام لتلك الاتفاقيات بل الرغبة الذاتية فى أن تكون جزءا منها، مع ربط ذلك بوجود ما يسمى بمسار وضاح لحل الدولتين. وهو ما يطرح السؤال حول فكرة ذلك المسار؟ ماذا يعنى بالضبط؟ وهو لو تم تحديد ذلك المسار سيؤدى بالضرورة إلى تحقيق وإقامة الدولة الفلسطينية؟
بشكل عام يمكن تلخيص الأمر وبناء على إدراك أطراف الأزمة لطبيعة علاقات القوى لكل منهما أن هناك هجمة أمريكية إسرائيلية شرسة لتوسيع نطاق الأهداف الخاصة بهما وعلى رأسها إدماج إسرائيل فى المنطقة وتضييق الخناق على الحقوق الفلسطينية، فى مقابل ضعف عربى يشعر معه العرب وكأن القضية الفلسطينية عبء ثقيل الحمل يجب التخفف منه إن لم يكن التخلص منه، الأمر الذى يبرز فى المشهد البائس الذى نتابعه حاليا!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض