رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية

في زمنٍ يتقدّم فيه الضجيج على التفكير، ويمتدّ فيه الظلّ أسرع من صاحبه، أصبحت الحقيقة آخر ما يصل إلى الوعي. صرنا نعيش فيما يشبه «لحظة فلسفية مقطوعة»، لحظة لا تمنح النفس فرصة أن تتأمل، ولا تسمح للعقل أن يمارس وظيفته الأولى: التساؤل. وكأن العالم كله صار يتحرك بنبضٍ واحد: نبض الترند، بينما الفلسفة – ببطئها، بعمقها، بتمردها على السطحية – تُترك خلف الستار.
الحقيقة في جوهرها فعل تأمل، رحلة إلى الداخل قبل أن تكون معلومة نُشاركها. لكن في زمن الترند، تحوّل السؤال الفلسفي من: ما الحقيقة؟
إلى سؤال أكثر ضحالة: ما الذي ينتشر أسرع؟
وبهذا، فقدت الحقيقة شرطها الأول: أن تُكتشف بوعي، لا أن تُقرر بالخوارزميات.
الفلاسفة قديمًا قالوا إن الحقيقة لا تخاف من الزمن، لأنها ثابتة. لكن لو عادوا الآن، لربما رأوا أنها لا تتعرض للخطر لأنها تتغير… بل لأنها لا تُمنح فرصة أن تُرى أصلًا. نحن أمام عالمٍ يُعيد تشكيل وعينا وفق إيقاعٍ يسبق قدرتنا على فهمه. عالم يجعلنا نلهث خلف ما هو عابر، حتى أصبح العقل نفسه يعيش حالة «استهلاك معرفي» يتعامل فيه مع الأفكار كوجبات سريعة.
لم تعد الحقيقة تُبنى بالحجّة، بل بالانتشار. لم تعد مسألة بحث، بل مسألة مزاج جماهيري. أصبحت الأفكار تُقيَّم كما تُقيَّم المنتجات: هل ستجذب؟ هل سترتفع مشاهداتها؟ هل ستُشعل نقاشًا؟ أصبحنا نعيش ضمن منظومة تجعلنا ننزلق تدريجيًا إلى ما يشبه «اللاوعي الجماعي»، حيث نتبنى ما يُصفّق له الآخرون، لا ما يتسق مع جوهرنا.
وفي هذا الانجراف، تتراجع إحدى أهم وظائف الفلسفة: إبطاء الزمن. الفلسفة لا تركض، بل تتوقف، تسأل، تُشكّك، تُعيد البناء. ولذلك، وجودها في زمن الترند ليس رفاهية، بل ضرورة. لأنها تمنحنا القدرة على مقاومة الوهم السريع، وتعيد إلينا مهارة النظر خلف الشاشات، إلى ما هو أبعد من اللمعة الأولى.
الحقيقة لا تُضيّع نفسها، نحن الذين نضيع عنها حين نستسلم لسرعة الاندفاع. وحين نسمح للزمان الافتراضي أن يسبق الزمان الداخلي. ورغم كل ذلك، الحقيقة لا تفقد قيمتها، حتى لو تأخرت عن الظهور. لأنها ليست حدثًا لحظيًا، بل تجربة وجودية تُضيء حين نمتلك الشجاعة للإنصات.
قد يكون الترند صوت اللحظة... لكن الحقيقة تظل صوت الإنسان حين يعود إلى ذاته، ويتذكر أن مهمته الأولى ليست أن يتابع كل شيء، بل أن يفهم شيئًا واحدًا بعمق.
[email protected]