رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

حكاية وطن

سألنى صحفى شاب لم يمر على قيده فى جدول تحت التمرين بنقابة الصحفيين وأدائه قسم أمانة الكلمة سوى أيام، عن أسباب هرولة بعض أعضاء مجلس النواب الحاليين للترشح فى انتخابات مجلس الشيوخ، وعدم انتظارهم لانتخابات مجلس النواب التى ستجرى بعد ذلك؟! وبعد أن أثنيت على ذكاء الصحفى الشاب الذى حظى بثقة لجنة القيد فى ثوبها الجديد، قلت له: لقد تضمن سؤالك جزءاً من الإجابة من خلال إشارتك إلى «الهرولة» وهى ترمز إلى سلوك شاع خلال مرحلة النظام السابق، لكنها كانت تمارس من خلال دعوة إلزامية ليس فيها خيار، على سبيل المثال مثل هرولة النواب الناجحين مستقلين للانضمام إلى الهيئة البرلمانية للحزب الوطنى لترجيح كفة الحزب فى حيازة الأغلبية البرلمانية تحت القبة أو دعوة المشتاقين لمنصب وزارى أو منصب المحافظ للتواجد فى سرادق انتخابى من أجل الهتاف وإثبات الحضور الجماهيرى أو الهرولة إلى سرادقات العزاءات والأفراح طبعا التى يقيمها النخبة!! أما الهرولة التى رأيناها فى انتخابات الشيوخ فهى هرولة على مسئولية المهرولين، بدون دعوة، هدفها اللحاق بـ«سبنسة قطار الحصانة» قبل أن ينطلق بدونهم من محطة الانتخابات، ولا أقصد بذلك كل المرشحين ولكن بعضهم الذين لا يستطيعون البقاء بدون حصانة، فلا يهم إذا كانت حصانة عن طريق مجلس النواب، أو عن طريق مجلس الشيوخ، لا يهم عندهم سلطات المجلس التشريعى الأول، الذى تكون الحكومة مسئولة أمامه رقابياً وتشريعياً ولا اختصاصات مجلس الشيوخ التى لا تتجاوز الاستشارة وإبداء الرأى، فالمهم أن الحصانة واحدة، لا فرق بين حصانة مجلس النواب وبين حصانة مجلس الشيوخ، فالامتيازات التى توفرها الحصانة واحدة فى المجلسين.

قلت للصحفى الشاب: إن أمانة الكلمة والقسم يقضيان أن نقول إن الجميع لا يبحثون عن التحصن ولكن لكل قاعدة شواذ، هم كالأسماك التى تموت عندما تخرج من الماء، وإذا هم فقدوا الحصانة يفقدون حريتهم، فالحصانة بالنسبة لهم مثل مصباح علاء الدين الذى يخرج منه العفريت ليقول للمتحصن «شبيك لبيك»، ما أكثر الذين استغلوا الحصانة فى المجالس السابقة، تاجروا بها، وهلبوا ونهبوا. أنا لا أقصد أيا من المترشحين لانتخابات الشيوخ، ولا الذين سيترشحون لمجلس النواب بعد ذلك، ولكن أقصد ضعاف النفوس الذين يستغلون الحصانة فى الاستيلاء على المال العام، رغم أنها منحت لهم لحمايتهم من كيد السلطة التنفيذية عندما يبدون آراءهم تحت القبة، وصارت لهم الحصانة تحت القبة وخارجها ووسوس الشيطان لبعضهم فى استغلالها فى غير موضعها!

عن الحصانة أقول من واقع تجربتى كمحرر برلمانى لمدة تزيد على 20 عاماً متصلة انتهت بعد ثورة 25 يناير، بعد أن سيطر على مجلس النواب فصيل الإخوان الذين ضربوا بالقوانين والدستور عرض الحائط وقرروا تفصيل قوانين على مقاسهم وبرلمان يحقق أغراضهم، كما حاولوا إرساء قضاء يخضع لرغباتهم، أقول إن الدستور منح النواب حصانة برلمانية كنوع من الحماية القانونية والسياسية حتى يستطيع النائب أداء وظيفته الدستورية بعيداً عن تأثير السلطة التنفيذية بالترغيب أو الترهيب، وحماية النواب من الملاحقة القضائية سواء كانت جنائية أو مدنية أثناء ممارسة مهامهم النيابية وتمكينهم من أداء وظيفتهم بحرية واستقلالية دون خوف من التهديدات والمضايقات.

وللحصانة البرلمانية وجهان رئيسيان أحدهما الحصانة الموضوعية، وتعنى عدم مسئولية عضو البرلمان بصفة دائمة من الناحية الجنائية والمدنية عما يبديه من آراء ترتبط بأعماله فى المجلس النيابى، والأخرى الحصانة الإجرائية وهى مجرد مانع إجرائى مؤقت، ونعنى عدم اتخاذ أى إجراءات سواء كانت جنائية أو تأديبية نحو عضو البرلمان إلا بعد الحصول على إذن من المجلس النيابى عدا حالة التلبس بالجريمة.

فى مصر لم تتضمن أول وثيقة دستورية وهى لائحة تأسيس مجلس شورى النواب وانتخاب أعضائه الصادرة فى 22 أكتوبر 1868، نصاً يشير إلى الحصانة ضد المسئولية البرلمانية، ولكن بمجرد أن استقرت الحياة النيابية وعلى أثر إعادة تشكيل مجلس النواب عام 1882، تضمنت اللائحة الأساسية لهذا المجلس نصاً يقرر الحصانة لأعضائه ضد المسئولية البرلمانية وجاء فيها «أن النواب مطلقو الحرية فى إجراء وظائفهم وليسوا مرتبطين بأوامر أو تعليمات تصدر لهم تخل باستقلال آرائهم ولا بوعد أو وعيد يحصل إليهم». كما تضمن دستور 1930، نصاً مماثلاً للنص السابق إلا أن هذا الدستور ألغى بأمر ملكى عام 1935، وعاد العمل بدستور 1923 بما كان يتضمنه من نصوص خاصة بالحصانة البرلمانية، واستمرت الحصانة البرلمانية بعد ذلك كما جاء فى دستور 1971، والدستور الحالى الصادر عام 2014.

وإذا كانت الغاية من الحصانة نبيلة إلا أنها بدت فى أذهان البعض من الذين يتكالبون على الانتخابات وينفقون الملايين للحصول عليها، بدت «غاية أخاذة» لتحقيق الوجاهة الاجتماعية ثم وصولاً إلى الحصانة التى ترتكب باسمها وتحت وطأتها الجرائم بدءاً من المعارك الانتخابية، فالحصانة كما تضمنها الدستور بريئة من كل الذى يجرى من البعض باسمها، فالأصل أنها ليست «ميزة» للعضو، وليست حقاً له وحده، وإنما هى حق للمجلس النيابى، وحماية لأداء رسالته أو مباشرة مسئولياته فى إقرار السياسة العامة للدولة والتشريع والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية لصالح الشعب كله.