كبسولة فلسفية
من أنا؟ ماذا أعلم حقًا؟ إلى أين أنا ذاهب؟ وإلى أين ينبغي أن أذهب؟ هذه أربعة أسئلة جوهرية تشغلنا جميعًا. لقد حاول أكثر من ثلاثين فيلسوفًا من بين الأهم في تاريخ الفكر، بدءًا من فيثاغورس وحتى يومنا هذا، التطرق إلى هذه الأسئلة والتأمل فيها.
وفي سبعينيات القرن العشرين، بدأ الاهتمام الفلسفي يمتد إلى مجال الصحة النفسية، إذ جذبت الفلسفة اهتمام الأطباء النفسيين، وعلماء النفس، وغيرهم من العاملين في المجالات المرتبطة بالعلاج الذهني. وعلى وجه الخصوص، أصبح كل من الفينومينولوجيا (الظاهراتية) والوجودية عنصرين لا ينفصلان عن رسالتهم العلاجية.
وقد شجّع هذا الانفتاح بعض الفلاسفة على توظيف معارفهم ومهاراتهم الفلسفية في خدمة الناس ومساعدتهم على التأمل في شؤونهم الحياتية اليومية، وهو ما شكّل انطلاقة لمجال "الاستشارة الفلسفية". ومع مرور الوقت، انتشر هذا النمط من الاستشارة في عدد متزايد من الدول، منها: ألمانيا، الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، هولندا، النمسا، سويسرا، النرويج، إيطاليا، إسبانيا، كندا، إسرائيل، تركيا، وجنوب أفريقيا.
تتناول الفلسفة قضايا الحياة الأساسية، مثل: ما هي الحياة ذات المعنى؟ ما هو الحب الحقيقي؟ وما هو الصواب أو الخطأ من الناحية الأخلاقية؟ هذه القضايا لا تهم أساتذة الفلسفة فقط، بل تمسّ كل شخص قادر على التأمل في حياته الخاصة.
يُستخدم مصطلح "الاستشارة الفلسفية" عادةً للإشارة إلى أي شكل من أشكال الجلسات الاستشارية التي تجمع بين ممارس فلسفي يعمل كمستشار فلسفي، وبين مسترشد فردي. غالبًا ما يلتقي الطرفان مرة (أو أكثر) في الأسبوع، على مدى عدة أسابيع أو أشهر، ويتأملان معًا بشكل فلسفي في حياة المسترشد الشخصية وفي مشكلاته. ويمكن النظر إلى الاستشارة الفلسفية بوصفها محاولة لإحياء التقاليد الفلسفية الهللينستية القديمة، مثل الرواقية والأبيكورية، التي كانت تهدف إلى إرشاد الفرد نحو حياة فاضلة وسعيدة.
يقدم لنا الفيلسوف الكندي لوي مارينوف تعريفًا للاستشارة الفلسفية من خلال خمس مراحل يُطلق عليها اسم عملية PEACE، وهي اختصار للكلمات التالية: المشكلة (Problem)، المشاعر (Emotion)، التحليل (Analysis)، التأمل (Contemplation)، الاتزان (Equilibrium).
في المرحلتين الأولى والثانية، يتم تحديد المشكلة والانفعالات العاطفية التي تثيرها. ويؤكد مارينوف على ضرورة أن تُختبر هذه المشاعر بصدق وأن تُعبّر بشكل نافع. ويُعلق قائلًا: "إن معظم مناهج علم النفس والطب النفسي لا تتجاوز هذه المرحلة."
أما في المرحلة الثالثة، فيتم استعراض الخيارات المتاحة لمعالجة المشكلة وموازنتها. وفي المرحلة الرابعة، يكتسب المسترشد ما يسميه مارينوف "الاستعداد الفلسفي"، وذلك من خلال استكشاف الإطار الفلسفي الذي يمكن أن يُفسّر، بمعونة المستشار، ما جرى في المراحل السابقة. ويصل المسترشد في المرحلة الخامسة إلى حالة من الاتزان، أي "فهم جوهر المشكلة والاستعداد لاتخاذ إجراء مناسب ومبرّر".
تتطلب هذه العملية جملةً من المهارات، منها: الاستماع المتعاطف، والتجرد الفكري (أي اتخاذ مسافة تأملية)، والتفكير المنطقي، والتحليل المفاهيمي، والتفكير النقدي والإبداعي، والقدرة على تركيب العناصر المتفرقة، ورؤية الأمور في إطارها الكلي. وعلى هذا الأساس، هل يجوز لنا أن ننظر إلى الاستشارة الفلسفية بوصفها نوعًا من العلاج؟
عزيزي القارئ، منذ أن تم تطوير الاستشارة الفلسفية قبل عقدين من الزمن، لا تزال المعرفة بها محدودة، حيث لم تُنشر سوى كتب ومقالات قليلة عنها، وهي غير معروفة لكثير من الناس، بل وحتى لبعض المستشارين الروحيين.
لكن من خلال تقييم أهداف الاستشارة الفلسفية وأساليبها، يتّضح أنها تعالج قضايا حياتية أساسية ترتبط بالنشاط النفسي، وتسعى ليس فقط إلى مساعدة المستشير في حل مشكلته الآنية، بل أيضًا إلى تثقيفه وتدريبه على نمط تفكير أكثر فعالية ومنطقية في التعامل مع مشكلته، من خلال استخدام مناهج وأساليب متنوعة.
ولذلك، يمكن اعتبار الاستشارة الفلسفية أحد أشكال العلاج القابلة للدمج في مجال الإرشاد الروحي والديني. ولعلنا نتساءل هنا: هل يمكن للفلسفة، بهذا الشكل، أن تكون بديلًا للعلاج النفسي؟ إجابتنا عن هذا التساؤل ستكون موضوع مقالنا القادم إن قدّر الله لنا البقاء واللقاء.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض