رادار
فى زمن مشتعل تتكاثر فيه النيران على أطراف المنطقة.. لم يعد السؤال هل هناك خطر؟.. رفاهية فكرية بل ضرورة وجودية.
هل مصر فى خطر؟ نعم.. ولكن ليس كما يروج، فليست الصواريخ وحدها من تهدد الأوطان، بل الأفكار المغلوطة، والنخب الزائفة، والوعى المخدر، والمخططات التى تدار بدم بارد فى الغرف المغلقة.
الخطر لا يأتى فقط من الكيان الصهيونى الغادر، ولا من أمريكا الفاشية التى لا تعرف إلا منطق المصالح، بل من بعض الأنظمة المحيطة بنا والقريبة منا، والتى ارتضت أن تكون أداة فى يد المحتلين، وانسلخت عن قوميتها وعقيدتها، فصارت معول هدم لا سند بناء.
وإذا سقطت إيران، فإن التساؤل.. عن الدور القادم لا يجب أن يكون مثار خوف، بل باعث وعى.. فمصر ليست دولة على هامش الخريطة، بل قلبها.. مصر تاريخ ممتد.. وجيش عقيدته راسخة، وشعبه وإن صمت، فذلك من قوة الصبر لا من ضعف الفهم.
لكن المعركة الآن لم تعد تخاض بالسلاح فقط، بل بالعقول والقدوات الزائفة.. لم نر إسرائيل تغتال لاعب كرة أو ممثلًا ينشر الرذيلة ويسلخ القيم.. بل استهدف العلماء والمفكرين.. لأنها تدرك أن العقل هو الخطر الحقيقى، وأن العالم لا يحتاج إلى بندقية ليشعل ثورة وعى.. العدو يضرب الرأس لا الجسد، لأنه يعرف أن ضرب الفكر أشد فتكًا من هدم البنيان.
فى المقابل، رأينا بأعيننا كيف صار الإعلام أداة تسطيح، يصدر التفاهة على أنها مجد، ويقصى العقول الحرة، ويروج لنماذج خاوية، رأينا بأعيننا كيف أصبح بعض الوجوه الإعلامية عبئًا على الوعى، شخصيات يلفظها الشارع لكنها تتصدر المشهد فى غفلة من الزمن، دون كفاءة أو رؤية، بل بدعم مصالح وولاءات وفساد.
لا بد من إعادة النظر فى تلك الفرقة المارقة التى أطلقوا عليها زورًا وبهتانًا.. مسمى النخبة.. فهذه النخبة الضحلة التى لا تملك إلا لغة التقارير الأجنبية الممولة، والتى بنت ثرواتها من العمل لصالح جهات أوروبية ودولارات مشبوهة.. واليوم نراهم داخل هيئات ومؤسسات الدولة، يتحركون بلا انتماء، وينظرون بلا جذور.. هؤلاء ليسوا كثيرين، لكنهم نافذون، مؤثرون، وخطرهم يتجاوز العدو الظاهر.
وسط هذا الركام من الفوضى الفكرية تصدرت المشهد فرق شاردة ونخب هشة ضحلة، بالإضافة إلى بعض نفر ارتدى زى العلماء فدفعوا بهم إلى الواجهة عبر منابر إعلامية، وأوهموا الناس أنهم رموز وعلماء دين، وما هم إلا واجهات زائفة سرعان ما انكشفت حقيقتهم، فكفر الناس بهم بعدما تهاوت أقوالهم أمام الواقع.. وأمام هذا الواقع المرير الذى تاهت فيه البوصلة فعلينا الرجوع فورًا إلى الأزهر الشريف، الذى ظل - وسيظل - ضمير الأمة الحى وعقلها الجمعى ومرجعها حين يعلو الضجيج ويغيب العقل - نعم - علينا أن نستعين بالأزهر الشريف الذى سوف يظل ضمير الأمة، وبوصلة وعيها.. بقيادة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، ظل ثابتًا نقيًا قريبًا من الناس، بعيدا عن الصفقات.. ولولا إيمان وثقة القيادة السياسية والمتمثلة فى الرئيس السيسى، بحكمة وإخلاص وعلم فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، لما بقى لنا هذا المنبر النقى فى زمن التلوث المعرفى.
أما وزارة الأوقاف، فحدث ولا حرج فقد تراجع دورها، وغابت عن ساحات التنوير، وحان الوقت لإعادة إحياء رسالتها، بعيداً عن المكاتب والغرف المغلقة وعليها أن تعيد للمساجد دور العبادة دورها التنويرى كما كان.
مصر قوية.. نعم، لكنها لن تبقى كذلك إلا إذا واجهت معارك الداخل كما تواجه الخارج.. فالحرب الآن على الهوية والوعى، والعدو ليس دائمًا على الحدود، بل أحيانًا فى قاعة الاجتماعات أو خلف الكاميرات.
ونحن نقرأ المشهد بعين القلق، نعلم جيدًا أن هناك من لا يغفو له جفن.. فثقتنا فى القيادة السياسية والعسكرية ليست ثقة عاطفية، بل يقين مبنى على قراءة واقعية للمعادلة.
ندرك يقينًا- أن دوائر القرار العليا فى مصر تقرأ التهديدات بعين فاحصة، وتتحرك ببوصلة الوعى لا ردود الأفعال.. نثق أن هناك رجالًا لا ينامون، لا يتكلمون كثيرًا، لكنهم يعملون كثيرًا.. يتابعون يحللون يتحركون فى صمت من أجل وطن لا يحتمل السقوط ولا يسمح بالتفريط.
هذه الثقة ليست صكاً على بياض، بل شهادة وإقرار من شعب يعرف طبيعة الدولة المصرية حين تستشعر الخطر.. ففى لحظات المصير، تغلق الأبواب على عقول تزن الأمور بميزان الوطن، لا بميزان المصالح الضيقة.. نعلم أن فى كل ركن من مؤسسات الدولة عيوناً ساهرة تدرك أن المعركة الآن ليست فقط بالسلاح، بل بالعقل، بالوعى، بالقدرة على فرز الصديق من العدو، والمخلص من المتسلق.. ولأننا نثق، لا نسكت، بل نصوت بالصدق والوعى، دعمًا لا انتقاصاً، ومشاركة لا معارضة. فالوطن لا يحمى من موقع واحد، بل من جبهة واحدة تضم الجميع.
حفظ الله مصر شعباً وجيشاً وقيادة.. ولنعلم جميعاً أن الوعى هو أول سلاح فى معركة البقاء.
وللحديث بقية.. إن شاء الله تعالى
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض