بين السطور
ما بين أول شهر رمضان وآخره فرق شاسع بالنسبة لى ولآخرين مثلى، ففى قدومه فرحة عارمة وارتباطى به يرجع لتأصيل حبه فينا من الجد والجدة، ومن ارتباطنا به من طقوس تزاور الأهل وبالتراويح والسحور وبالمذياع من سماع القرآن الكريم لأساطين القرآن الكريم عندما كنا صغارًا نلتف حول المذياع للانصات لصوت عظماء القراء وهم آنذاك الشيخ عبدالباسط وقيثارة السماء الشيخ محمد رفعت والفشنى والمنشاوى على محمود ومحمود على البنا ثم مدفع الافطار فيحضر الكبار والصغار استعدادا للترديد خلف المؤذن فى مشهد يمتلئ بالروحانيات، ثم يأتينا صوت الشيخ النقشبندى بأهلا رمضان ونظل نطرب طوال الشهر بتلك الأصوات الراقية الرائعة التى تجذبك لسماعها لتنصت وتفهم التلاوة وكنا نلعب ونلهو بفانوسنا الزجاجى ذي الألوان الأربعة الجميلة ثم ندخل البيوت الدافئة العامرة بالحب والحنان بعد الصلاة والتراويح لنستمع إلى البرامج التراثية الممتعة فوازير رمضان والمسلسل التراثى ألف ليلة وليلة لبابا شاروا وكان جدى وأبى يتنقلون ما بين مسلسلات الثنائى فؤاد وشويكار أو محمد رضا وصفاء رضا بوند. وغير ذلك ثم المسحراتى الذى يأتينا بطبلته الكبيرة ليقرع عليها وينادى على اصحاب البيوت كل على حده ونستمع إلى أحسن القصص وعلى الرغم من وجود تلفاز بعد ذلك لكن المذياع يظل يتربع على العرش خاصة فى رمضان، وأصبحت أسير على الدرب حتى الآن ثم تأتى الأيام الأخيرة التى تزلزل قلبى لشعورى باقتراب رحيل الشهر الفضيل ويأتنى صوت الشيخ سيد النقشبندى الرائع عبر المذياع ب رمضان مهلا حتى ساعة الحسم وهى يوم الوقفة ليقول وداعا أيها الحبيب وموعدنا اذا عشنا قريب، وهنا أتحدى أى انسان حتى لو قلبه حجر أن لا يدمع ويشعر بالفقد لشهر روحانى فضيل فقد يقول البعض هل أنت أكثر منا عبادة أو تقوى فأقول لهؤلاء لا والله أبدا، لكنها حالة عاطفية دينية فعندما يقترب رحيل هذا الشهر بصفة خاصة تنهمر الدموع ويبدأ شوقنا له يسرى فى القلوب من جديد وهنا أحاول مرارا وتكرارا مقاومة دموعى المنهمرة التى اشتدت قبل تناول الافطار فى اخر أيام رمضان، وخصوصا يوم الوقفة وأنا أودع الحبيب خاصة عندما يصدح صوت شيخ المنشدين وإمام المبتهلين الشيخ سيد النقشبندى كروان الاذاعة المصرية بتوديعه للشهر الكريم، وفى كل عام أحاول إخفاء دموعى وهذه عادتى فى أيام وداعه دوما لدرجة أن نظرات من يرانى تتساءل: هل وقع لى مكروه والعياذ بالله أو جملة مثل وش نكد، وهكذا وقس على هذه العبارات جملا كثيرة وهمهمات توحى بذلك، لدرجة أن البعض ممكن أن يغادر المائدة. واسمحوا لى أن أستخدم مقدمة هذا الابتهال الشجى الذى يزلزل الوجدان أثناء اذاعته عبر المذياع مع فقدان أيام الشهر الفضيل، والتى يقول مطلعها وداعا أيها الشهر الحبيب وموعدنا إذا عشنا قريب، ستوحشنا إذا ما الصبح نادى وتوحشنا إذا نادى المغيب.
وداعاً أيها الشهر الحبيب، ولم لا وهو الشهر المكرم والمفضل على سائر الشهور وعبر الدهور فهو يأتى بفرحة ويرحل بفرحة وهى منحة العيد تلك المنحة التى تكون ملاذا وتقديرا للصائمين العابدين العاكفين المسبحين الموحدين لننسى ألم فراق هذا الشهر الفضيل الذى تملا روحانياته كافة الارجاء والربوع فمهما بلغت توسلاتنا له أن يغادر مهلا ولا يتركنا ومهما ملأت دموعنا بحيرات فهو له وقت معلوم ليرحل شهر البركة عنا تاركا فينا روحانيات جميلة وأياما عشناها وكأنها الجنة لقد زادتنا الرحمة إيمانا وعطفا على المحتاجين على قدر المستطاع، وتشعر وانت فى الصلاة والتراويح وأصوات المأمومين وهم يؤمنون على دعاء الامام وكأننا تحفنا الملائكة بالفعل عشنا بعيدين عن صخب أفراح تفوق الزار وكلها تراقص وتمايلات أجساد بعيدة عن الفرح، بل إن معظمها تنتهى ليلتهم بوقوع كوارث ووفيات أحياناً وعلى الرغم من أصوات مدافع البمب الجبارة ورائحة البارود التى كانت تملأ الاجواء ساعة الافطار، لقد كنا بعيدين عن صخب حياة سيئة، وكأن الله سبحانه وتعالى أراد منحنا راحة نفسية وروحية بعيدا عن كل صخب الحياة المذموم وبعيدًا عن جلسات النميمة والمشاجرات، فقد عاش الجميع بعيدا عن الغمز واللمز والتنمر وغير ذلك من هذه الصفات السيئة التى نهى عنها الدين القيم، فشهر رمضان هو الشهر الذى نستقبله بأهلا، ونودعه بمهلا فهو أعز شهر. نهاره جميل وليله عطر عالى الروحانيات والخشوع وكأنه جاء ليطبطب على القلوب إنه أعز حبيب شهر رحمة ومغفرة، شهر القرآن وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر، إنه حقا يهل بفرحة ويفارق بفرحة ويترك يوم وداعه فوق الأرض عيدا، فعلا لا أوحش الله منك يا شهر الصيام. وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال..،
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض