رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

ولد بطرس غالى باشا في بلدة الميمونى بمحافظة بنى سويف، في أسرة متواضعة، وكان والده موظفا، كأي طفل مصري، التحق بكتاب القرية لتعلم أساسيات القراءة والكتابة، ثم واصل دراسته في المدرسة القبطية بالقاهرة قبل أن ينتقل إلى مدرسة البرنس مصطفى فاضل، حيث درس اللغات وأتقن الإنجليزية والتركية. 

هذه البذرة من التعليم فتحت أمامه أبواب بعثة إلى أوروبا لإكمال دراسته الجامعية، وعودته لمصر كانت بداية مشوار طويل من الخدمة العامة والعطاء الوطني.

بدأ بطرس غالى حياته العملية مترجما في مجلس التجارة بشعبة الضرائب، وألف كتابا متخصصا في الشؤون المالية، وكان من أشهر المراجع في مجاله آنذاك. 

ومع قيام الثورة العرابية، برز اسمه كواحد من الداعين إلى التفاوض مع الخديو، فاختير ضمن مجلس المفاوضة بعد هزيمة العرابيين في معركة التل الكبير. 

وكان بطرس غالى أيضا أول قبطي يحصل على رتبة الباشوية، بفضل تدخل الزعيم أحمد عرابي، وهو ما كان يمثل خطوة هامة نحو مشاركة الأقباط في الحياة السياسية على أعلى المستويات.

تولى بطرس وزارة المالية عام 1893 في عهد الخديو عباس حلمي الثاني، وتدرج في مناصب حكومية مختلفة حتى أصبح رئيسا للوزراء. 

وعاش خلال تلك الفترة أحداثا كبيرة، أبرزها أزمة السودان بعد الثورة المهدية، حيث قرر الإنجليز إعادة السيطرة على السودان في إطار حملة مشتركة مع مصر، ووقع بطرس غالى اتفاق السودان عام 1899، الذي أعطى الإنجليز اليد العليا في حكم السودان، رغم مشاركتنا الرسمية في الإدارة، وهو ما أظهر مدى صعوبة الموقف السياسي وقتها.

وفي حادثة دنشواي عام 1900، تولى بطرس غالى رئاسة المحكمة التي أصدرت أحكاما صارمة بحق الأهالي، وهو موقف أثار غضب الرأي العام المصري، ودفعت الوزارة تحت قيادته إلى إعادة العمل بقانون المطبوعات لمراقبة الصحف، مما أشعل احتجاجات ومظاهرات واسعة، وأدى إلى صدام بين السلطة والجماهير الوطنية.

وعندما وصل موضوع مد امتياز قناة السويس إلى الواجهة، وقف بطرس غالى في مواجهة حادة مع القوى الوطنية، وكان من بين أسباب استهدافه اغتيالا من قبل الشاب إبراهيم الورداني الذي رأى فيه خائنا للوطن، رغم أن بطرس غالى قد عمل وفق ما اعتقد أنه في مصلحة الدولة آنذاك. 

يوم 20 فبراير، أطلق الورداني النار على بطرس غالى أمام وزارة الخارجية، وأصاب الباشا في خاصرته وصدره وعنقه وكتفه، وما أن نقله الحاضرون إلى المستشفى حتى باشرت فرق الأطباء بمحاولة إنقاذه، وكان للخديو عباس والحضور الرسمي دور كبير في متابعة حالته، ولكن رغم كل الجهود، فارق بطرس غالى الحياة في مساء نفس اليوم، وقد ترك وراءه إرثا من الخدمة العامة والتضحيات التي تجسد صراع الوطن بين الدفاع عن مصالحه والضغوط الأجنبية الداخلية والخارجية.

وبعد حادثة الاغتيال، أحاطت القوانين والتحقيقات الورداني وأصدقاءه، وكان من اللافت أن مذكرات الزعيم محمد فريد لم تذكر هذه الواقعة، رغم ارتباطه بالفاعل، وهو ما يعكس التعقيدات السياسية في تلك الفترة. 

لكن تاريخ بطرس غالى يظل شاهدا على رجل أمضى حياته في خضم صراعات كبيرة، حاول فيها الموازنة بين الولاء للدولة والالتزام بالقوانين، وبين طموح الأمة واحتياجاتها، وبين الضغوط الأجنبية والرغبة في حماية مصالح مصر.

إن بطرس غالى باشا، برغم كل الانتقادات والظروف الصعبة، يظل رمزا لفترة تاريخية مفصلية في مصر، حياة مليئة بالتحديات السياسية والاجتماعية، وتجربة تجسد صراع الوطن من أجل إدارة شؤون الدولة تحت ضغط الاحتلال والمستعمر، وأيضا تجربة إنسانية مليئة بالأحداث الجسيمة التي تركت أثرها في الوجدان المصري. 

هو نموذج لرجل واجه المصاعب بشجاعة، وحاول خدمة بلده وفق قدراته، ورغم نهايته المأساوية، يبقى اسمه محفورا في التاريخ باعتباره أحد كبار رجالات مصر في بداية القرن العشرين، الذي جمع بين التعليم والمعرفة والعمل العملي والسياسة، وترك إرثا معقدا لكنه حافل بالعبرة والدروس الوطنية لكل الأجيال القادمة.