نحو المستقبل
إن من دواعى سرورى وسعادتى دائما أن أجد أن الفكر الفلسفى قد انتشر واكتسب أرضا جديدة فى أرجاء أمتنا العربية لأن هذا معناه ببساطة أننا نتجه نحو توطين نمط التتفكير الفلسفى العقلي بين أهلنا، ومن ثم فهذا يعنى أننا نريد أن نقضى حتمًا على مظاهر عديدة للتخلف فى حياتنا وارتياد آفاق جديدة للتقدم والريادة الحضارية ، وكم كنت سعيدا فى العام الماضى حينما شاركت صديقى د. أحمد برقاوى مؤسس وعميد بيت الفلسفة فى الفجيرة افتتاح هذا البيت الذى ولد فتيا بمشاركة العديد من الزملاء من مختلف الأقطار العربية وشاركنا فى مؤتمر مهم شرفت فيه بالحديث عن «الفلسفة وسؤال الهوية» . وهاهو بيت الفلسفة يعيد الاحتفاء بالفلسفة هذا العام بمؤتمر جديد وإصدارات فلسفية عديدة لتدور عجلة الاهتمام بالفلسفة والتفلسف فى الإمارات الشمالية انطلاقًا من حدودها القصوى بالفجيرة.
وكم تضاعفت سعادتى هذا العام أن أتلقى دعوة من أبو ظبى عاصمة الدولة وتحديدا من جامعتها الحديثة جامعة محمد بن زايد للعلوم الانسانية وتحديدا من مركز الدراسات الفلسفية فيها للاحتفال باليوم العالمى للفلسفة من خلال عقد مؤتمر دولى ضخم تحت عنوان « الفلسفة والأخلاق « ، وتلك خطوة رائدة وعظيمه نحو توطين الفلسفة بالجامعه ليس فقط من خلال تدريسها وانشاء قسم متخصص للقلسفة فيها بل من خلال انشاء هذه المنصة الرائعة لنشر التفكير الفلسفى ومناقشة قضاياه وعرض أهم المشكلات التى تواجه انطلاقتنا الحضارية المنشودة. وبالطبع فإن القيادة الواعية للجامعة ووجود قامات فكرية من أمثال د. رضوان السيد بها يزيد من قيمة الحدث ومدى تأثيره على المجتمع المحلى والعربي .
والحقيقة أن ذكريات عديدة بدأت تترى على ذهنى فى هذا الاطار حيث قضيت فى دولة الامارات الحبيبة إلى قلبى ست سنوات كانت من أخصب سنوات رحلتى الفكرية حيث وفرت لى مكتبة جامعة الامارت التى كنت أعمل بها حجرة خاصة «خلوة» نقلت إليها الكثير من مصادر بحثى من القاهرة وما أردته من مراجع حديثة من المكتبة ، وكم كان ثراء هذه السنوات على الصعيد العلمى التخصصى بالنسبة لى ، وان نسيت لاأنسى أننى أسست هناك وفى كليات الطالبات الجمعية الفلسفية التى لاقت إقبالا كبيرًا ليس فقط من طالبات التخصص بل من كل طالبات الجامعة، وكم كان مفاجئًا لى أن تختار الطالبات كتابى « فلاسفة أيقظوا العالم « من بين عشر كتب طرحت للقراءة فى مسابقة الجامعه للاطلاع والقراءة ، ولكم اتسعت دهشتى حينما وجدتنى مدعوا من رئيس الجامعة ونائبه لمناقشة الطالبة التى حصلت على المركز الأول فى تلك المسابقة مناقشة علنية فى أكبر قاعات الجامعه بصحبة أستاذين اخرين وكأننا نناقش باحثة دكتوراة ، وكم كانت هذه الطالبة الباحثة مدهشة لنا كمتخصصين لأنها عرضت الكتاب الذي يتضمن عشرين فيلسوفا من مختلف العصور بوعى شديد وردت على كل تساؤلاتنا رغم أنها لم تكن من طالبات قسم الفلسفة !! وربما كان ذلك مما شجعنى وأستاذى د. محمد مهران رحمه الله على أن نرسل تقريرا لوزير التربية والتعليم آنذاك نحثه فيه على عدم إلغاء تدريس الفلسفة فى التعليم الثانوى لأن العيب ليس فى الفلسفة ولا فى الطلاب وإنما هو فى الكتاب الصعب التخصصى جدا الذى كان مقررا !! ولقد كانت مفاجأة سارة لنا أن يوافق الوزير على التقرير ويكلفنا مع خبراء الوزارة بإعداد وثيقة جديدة للمواد الفلسفية لإصلاح الوضع ، وقد تم ذلك وكانت هذه أول وثيقة لمناهج المواد الفلسفية فى العالم العربي تركز على تدريس التفكير الفلسفى والتفكير المنطقى ومهاراتهما بعيدا عن تاريخ الفلسفة ومذاهبها !! وقد تم تكليفنا فيما بعد بكتابة الكتب المقررة الجديدة طبقا لهذه الوثيقة ، وقد تم ذلك بالفعل حتى بعدما انتهت إعارتنا لجامعة الإمارات وعدنا إلى مصر.
تلك ذكريات وغيرها كثير عن الفلسفة فى الامارات ربما يأتى الوقت لسردها، إن الاحتفال بالفلسفة وباليوم العالمى للفلسفة ليس ترفا – كما يرى البعض - لأنه فى واقع الأمر احتفاء بقيمة التفكير العقلى فى حياة الشعوب والأمم المتحضرة . وأعتقد أنه قد حان الوقت ليكون احتفاؤنا بالعقل والعقلانية فى عالمنا العربى ضرورة يومية وليس فقط ضرورة مناسبات إذا كنا بحق ننشد تحقيق النهضة والتقدم !!