نحو المستقبل
لقد كان يوم الثالث والعشرين من يوليو يوما مجيدا فى تاريخ مصر المعاصر رغم كل ماقيل ومايمكن أن يقال من نقد أو تجريح عنه وفى قياداته ؛ فهو لدى جيلي اليوم الذى تحول فيه وجه مصر إلى اللون الأسمر ، وهو وجهها الحقيقى ! إنه اليوم الذى عادت فيه مصر إلى االمصريين حقا وفعلا ، إنه اليوم الذي عبر فيه شباب مصر من القوات المسلحه عن ارادة الغالبية الساحقة من أبنائها وانتزعوا هذا الوطن المسلوب ارادته منذ الغزو الفارسي ثم اليونانى لمصر منذ ما قبل الميلاد وحتى جاء هؤلاء الضباط الأحرار ليعيدوه إلى أهله ! قل ماتقول عن الحدث ! سمه ثورة ، سمه حركة ، لكن الحركة تحولت بفعل أبطالها إلى ثورة شاملة أعادت مصر الأرض والوطن إلى أهله الحقيقيين ، وأعادت للانسان المصرى ثقته فى نفسه وجعلته يرفع رأسه بالفعل وليس بالشعارات أمام المحتل الانجليزى الغاشم وأعوانه من الباشوات والديناصورات الذين حولوا مصر إلى ملكية خاصة توارثوها لمئات السنين !
لقد ولدت بعد قيام هذه الثورة بعام واحد ، فأنا من عمرها المجيد ، وقد شاهدت بعيني رأسي آخر مظاهر الاستعباد التى كان يخضع لها الناس فى قريتى أمام أؤلئك الباشوات وأعوانهم من العُمد والمشايخ ، فلم يكن يستطيع الرجل أن يمر من أمام أحدهم راكبا حماره ، بل كان لابد أن ينزل ويطأطئ الرأس محييا ثم يمتطى ظهر حماره بعد ذلك ليعاود المسير !! وكم كانت مفاجأة سعيده لم يصدقها هؤلاء الفلاحون أن يتسلموا بالفعل بضعة قراريط من الأرض التى كانت رمزا لاستعبادهم وسخرتهم ليزرعوها هم كملكية خاصة !
وكم كان عظيما أن يشعر هؤلاء بأن الأرض صارت لهم وأن من حقهم أن يحصلوا على غلتها نتيجة جهدهم وعرقهم وليس على بضع ملاليم كأجرة عند ذلك المالك الاقطاعى أو ذاك !! وكم كان عظيما أن تكتمل مجانية التعليم ويصبح تعليم الأبناء إلزاميا ، ويجلس ابن الفلاح بجوار ابن الباشا فى المدرسه ، ويحصل مثله على وجبة مجانية تكفيه وقد يحمل بعضها إلى بيته ! لاتتعجب أيها القارئ الكريم الذى لم تشاهد مثل هذه المظاهر التى لم ترها ؛ فقد كانت حياة الانسان المصرى حياة الكفاف ، وكان ممظم المصريين يمشون حفاة لايملكون القدرة على شراء حذاء جديد أو جلباب جديد ، فهم كما اشتهر عنهم آنذاك " أصحاب الجلاليب الزرقاء" التى تتحمل أوساخ البهائم والأرض وطينها !!
لاتتعجب حينما أقول لك أنه لولا هذا التعليم الالزامى ماكنت أنا ولا معظم أبناء جيلى ممن تعلموا ويحملون الآن القلم ويتولون أرفع المناصب والمهام الجسام على أرض الوطن !! تمر السنون ولا أنسى منظر خفير القرية وهو يعطى خطاب الذهاب إلى المدرسة فى تاريخ محدد إلى والد الفتى ، فيقوم الوالد بدسه فى جيبه !! ثم يأتى اليوم الموعود ولايرغب الوالد فى أن يذهب الابن إلى المدرسه ، فهو يريده أن يساعده فى فلاحة الأرض التى ورثها عن أبويه والتى اتسعت بما تسلمه من أرض " الاصلاح الزراعى "، فما كان من الفتى الصغير إلا أن ذهب بمفرده إلى المدرسة بصحبة أقرانه فيتلقفه عمه بزيه الأزهرى التقليدىوكان مدرسا للدين واللغة العربية بالمدرسة متسائلا : أين الزى المدرسي ياولد ؟! فلايجد الطفل اجابه !! فيذهب عمه إلى والده محذرا بضرورة أن يأتى بالزى لابنه وأن يتركه يذهب للمدرسة وإلا وقع تحت طائلة القانون والعقاب !! لقد كان ذلك هو بداية ذلك الفتى الذي تفوق على نفسه وزملائه وكان الأول عليهم دائما فى معظم مراحل التعليم !!
وكثيرا مايتساءل السائلون : هل أنت ناصري (أى من أتباع عبد الناصر) ؟، فأقول لهم : بل أنا مصرى تعلمت من عبد الناصر الزعيم المصرى أننى مواطن مصري حر ، تعلمت منه عبارته الشهيرة : ارفع رأسك ياأخى ، لقد مضى عهد الاستعباد !! . وكم أشعر الآن بالحزن والأسى حينما أجد الزعماء العرب الآن وكأنهم يعيدوننا إلى ذلك الزمن البغيض مرة أخرى ، زمن الاستعمار والانسحاق أمام كل ماهو أجنبى ! متناسين أنهم عرب أحرار وأن لهم قوميتهم وهويتهم المستقله التى دفع عبد الناصر ورفاقه والشعوب فى كل البلاد العربية التى تحررت من الاستعمار والتبعية ثمنها غاليا !!
كم آسى على عرب لم يعودوا يفتخرون بعروبتهم ولا بلغتهم القومية ، وعادوا يتسابقون ويفخرون بتبعيتهم لهذه الدولة الأجنبية أو تلك متحدثين لغتها ومستنسخين نظمها التعليميةوالاجتماعية والاقتصادية طالبين منها الحماية والرعاية!! لقد عبرت ثورة يوليو ورفاقها العربيات عن الاعتزاز بالاستقلال والهوية العربية والوطنيه ، وتمر السنون السبعون ليأتى جيل جديد لايعى قيمة كل ذلك ويسلمنا طواعية إلى التبعية وفقدان الهوية !!وكم كان الفيلسوف الرومانى سينكا محقا حينما قال : لارياح مواتية لمن لايعرف أين يتجه !! فهل أتمنى فى الذكرى السبعين لأم الثورات العربية أن يفكر العرب جيدا فى اجابة السؤال المستقبلي الكبير هذا : إلى أين يتجهون ، وأى رياح سيركبون ؟!