رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

 

الكُتب أعمدة إنارة لعتمات الماضى، لذا أقدر كل جُهد يُبذل فى سبيل تقديم شُهود جُدد فى تاريخنا المعاصر، حتى ولو بدا بعضهم شهود زور. وكتاب «ربع قرن فى مصر» الصادر مؤخرا عن دار إشراقة، بترجمة محمد على ثابت، ومراجعة وتعليق وليد كساب يُقدم واحدة من المذكرات المهمة الكاشفة لبعض جوانب الحياة أواخرالقرن الـ19، وهى مذكرات البارون صمويل كوسيل. لقد قضى هذا الرجل المولود فى إنجلترا سنة 1848 نحو ربع قرن فى مصر خلال الفترة من 1863 حتى 1887 متنقلا بين أكثر من عمل، كان أخطرها عمله مراقب عام للجمارك إبان عهد الخديو إسماعيل وخلال الغزو البريطانى لمصر. ولعب هذا الرجل دورا لا يُنكره فى مساعدة قوات الإنجليز فى احتلالها لمصر، ونال أوسمة من بريطانيا والخديو توفيق نظير ذلك.

ورغم أن المذكرات تمثل بشكل واضح وجهة نظر المستعمر، ورغم صدورها سنة 1914 إلا أنها تشير لوقائع مهمة سواء فى الجانب السياسى أو الاجتماعى أو الاقتصادى ولا يجب إغفالها عند استقراء التاريخ، وهو ما دفع مترجم متميز وباحث دؤوب إلى إصدارها فى كتاب بالعربية.

وأبرز ما تنفرد به المذكرات هو الإشارة إلى أن سفن الأسطول الإنجليزى الغازية لمصر كانت مهددة بالتدمير والغرق نتيجة استيراد طوربيدات بحرية تنفجر تحت الماء من أمريكا بناء على نصيحة الجنرال ستون باشا المستشار الأمريكى بالجيش المصرى وقتها. إن كوسيل يتحدث عن دوره فى تضليل أحمد عرابى للحيلولة دون وصوله إلى الطرد المحتوى على الطوربيد الخطير الذى كان من الممكن أن يُبدد آمال بريطانيا فى استعمار مصر. وهذه الواقعة لا يذكرها أحد آخر، لكنها منطقية لأن الجنرال سيمور قائد الأسطول الإنجليزى قام بتكريم كوسيل فور دخوله، كما استحضر له أوسمة عديدة امتنانا لصنائعه غير المعلنة.

ويكشف كوسيل حسن ظن عرابى ورجاله به لدرجة أنهم قبضوا عليه قبل أيام قليلة من دخول الإنجليز، وصدقوا إدعاءه بأنه مجرد رجل يؤدى عملا وأنه على يقين بأن الإنجليز لا يريدون دخول الإسكندرية، وهكذا لم يفتشوه، ولو فعلوا لاكتشفوا فى جيبه البرقيات التى أرسلها إلى لندن تسأل عن موعد الهجوم، وعدد القوات، وتحثها على السرعة.

ويعترف كوسيل بمحاكمات صورية أجراها اللورد تشارلز بيرسفورد فور دخول الإنجليز للإسكندرية، وكانت تستهدف كل مَن تشككوا بتورطه فى المقاومة، أو فى حوادث عنف ضد الإنجليز والأوروبيين. ويحكى الرجل فى زهو كيف كانوا يقومون بربط المحكوم بإعدامهم فى الأشجار ودفنهم فور اطلاق الرصاص فى المكان نفسه. ويُعلق على ذلك بأن القسوة ضرورية للتعامل مع هؤلاء المجرمين!

وبعيدا عن الجانب السياسى أتقن كوسيل اللغة العربية وتجول فى ربوع مصر، فى الزقازيق، منيا القمح، طنطا، رشيد، وغيرها، واختلط بمختلف المستويات الاجتماعية. واللافت فى شهادته الاجتماعية بعض المظاهر التى اختفت تماما من الواقع المصرى، مثل «الدوسة» وهو طقس غريب كان يقوم به الناس فى الموالد، إذ يسمحون لشيخ الطرق الصوفية أن يركب فرسا ويدوس به على المريدين كنوع من التوقير له، وقطعا فإن كثيرين كانوا يموتون جراء ذلك. وكتب أيضًا عن انتشار الممارسات الجنسية غير المشروعة بشكل علنى فى الموالد، وهو ما جعله وهو الأوروبى يسمى ذلك فُحشا حادًا.

والمذكرات مُهمة رغم النظرة المتعصبة ضد الإسلام واختصاره فى تعدد الزوجات، وسهولة التطليق، وهو ما لا نجده مثلا فى مذكرات ومشاهدات أجانب آخرين كانوا أكثر عدلا مثل المستشرق لويس بركهارت، والذى أوصى بأن يُدفن فى مقابر المسلمين عند باب النصر.

والله أعلم.

[email protected]