خارج السطر
مات الشاعر أحمد شوقى وهو يحلم بلقب باشا، ورحل مبدعون، وهُم يطاردون طموحا لا يأتى بالحصول على منصب سياسى، لكن بقى أدبهم خالدا مدى الدهر وظل ذكرهم أقوى من المناصب والنفوذ، وأبرز هؤلاء كان طه حسين، المفكر النادر، والمبدع المتميز، والذى انتصر لديه الأدب على السياسة، فلم يذكر الناس كونه وزيرا للمعارف، وإنما عميد للأدب العربى.
لقد غاب طه حسين الوزير، وبقى طه حسين الأديب. رحل السياسى، وعاش الكاتب. نُسى المسئول، وخلُد ذكر صاحب القلم.
كانت تجربة الدكتور طه حسين المولود فى يوم 15 نوفمبر سنة 1889 فى عالم السياسة غريبة، فقد ظل الرجل حتى سن الستين مبتعدا تماما عن أى منصب سياسى، وبدا أقرب للتيار الاشتراكى منه لأى تيار آخر.
وكان الرجل بما يمثله من معجزة عظيمة لرجل كفيف يتفوق على المبصرين، ويُصبح الأول فى مضمار الأدب والفكر فى زمانه، يعرف يقينا أنه منبوذ من السلطة، بسبب كتاباته وآرائه الداعمة للفقراء فى ظل مد اشتراكى ساد المجتمع المصرى طوال الأربعينيات واتسع مداه بعد أفول الحرب العالمية الثانية.
لكن رجل السياسة المخضرم مصطفى النحاس كان يراه جيدا ويُدرك أن لديه مشروعا حقيقيا لتطوير التعليم لذا بادر عندما دعى لتشكيل الحكومة بعد فوز الوفد فى انتخابات 1950 باختياره وزيرا للمعارف، رغم أنه من خارج الوفد.
وتحضرنى حكاية طريفة عن استوزاره، رواها لى قبل ربع قرن المرحوم سعد فخرى عبد النور القيادى الوفدى الراحل، مفادها أن طه حسين هو صاحب أقصر خطبة سياسية فى تاريخ مصر الحديث، عندما اختير وزيرا فى حكومة الوفد. ففى اليوم الأول للحكومة، وأمام مجلس الوزراء احتشد الآلاف يهتفون لمصر وللوفد والنحاس، وكان طه حسين مُطلا من الشرفة فطلب إليه الناس أن يُلقى كلمة للتعبير عن عودة حزب الأغلبية للحُكم مرة بعد إبعاد لسنوات. ولم يكُن أمام الرجل سوى الاستجابة لمطالب الجماهير، لكن بديهيته الحاضرة دفعته أن يخطب فى الناس بكلمتين فقط ارتجت لهما الأرض تصفيقا وتهليلا.
كانت الكلمتان بليغتين ومعبّرتين عن كل ما يتصوره أنصار الوفد وخصومه على السواء. قال الرجل: «عُدنا فعُدتم». ولا شك أن تلك الخُطبة البليغة تنطبق على أكثر من معنى. منها مثلا أننا عُدنا نحن زُعماء الأمة وممثلوها، فعادت إرادة الشعب مرة أخرى، لكنها تحتمل فى الوقت ذاته أننا عُدنا حكامًا فُعدتم مُصفقين أو عُدنا أصحاب نفوذ فعُدتم مؤيدين.
وعاش الرجل مؤمنًا أنَّ برنامجه لجعل التعليم كالماء والهواء يحتاج حكومة شعبية تستمد قوتها من الناس، لذا فقد نفذ فكرته لعمل مجانية التعليم المدرسى، وهى التى شوهها نظام يوليو عندما مد المجانية حتى نهاية التعليم الجامعى.
وبعد إقالة حكومة الوفد بقى طه حسين قريبا من النحاس باشا، حيث كان يشعر أنه أطيب وأنزه الساسة فى البلاد، وظلت علاقته ممتدة معه، حتى بعد إلغاء الأحزاب تماما فى يناير سنة 1953، وعلى رأسها حزب الوفد، ورغم ذلك فإن طه حسين السياسى أيد الحركة المباركة، وكان أول مَن أطلق عليها وصف «ثورة».
ونلمح فى مذكرات النحاس التى أملاها على سكرتيره محمد كامل البنا، وحققها أحمد عز الدين، محاولة فاشلة من طه حسين للتقريب بين زعيم الوفد ونظام يوليو فى سنة 1962.
ورحل طه حسين بعد ثماني سنوات من رحيل النحاس، لكن لم يذكر أحد شيئا عن وزارته وأدواره السياسية، لكنهم جميعا تذكروا كتبه: «الفتنة الكبرى»، «الشيخان»، «مع أبى العلاء»، و«سيرة الأيام».
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض