رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

خارج السطر

 

أنا واحد من المؤمنين بأن أصعب تغيير يمكن إحداثه هو تغيير سلوك الناس، وهو فى اعتقادى التحدى الأصعب عند بناء أى نهضة حقيقية. يُمكن أن تُنشىء أنظمة تكنولوجية عظيمة، وتعد تخطيطات عمرانية واسعة، وتقيم مساكن ومجتمعات عمرانية جميلة. ولاشك أنك تستطيع إقامة مبان خرافية، ساحرة، خلابة، ومُبهرة. تستطيع مد خطوط طيران وسكة حديد واتصالات وعمل طرق وإنشاء جسور وتعديل تشريعات عتيقة، وكبح فساد شائع، وتحسين الصورة العامة للوطن خارج أرضه وبين أهليه.

لكن التحدى الأصعب هو حضرنة الناس، تحفيز طاقاتهم، وغسل أدمغتهم من الرياء والكذب وكراهية الآخر. المشكل الحقيقى هو أن ننزع البداوة عن عقول أوصدت أبوابها وسدت نوافذ التفكير والتدبر لديها تحت رياح شرقية عاتية عصفت بالمجتمع تحت لافتة الدين. والإنجاز الحقيقى هو أن نُحيى التسامح والوسطية والعقلانية لدى الناس ونُعيد بعث جينات الجمال والإبداع لديهم.

على مدى خمسة عقود وأكثر كان المصريون يغادرون مصر بحثا عن رزق أوسع فى بلاد النفط، ثم يعودون بزكائب المال والخير، لكنهم يحملون معها ثقافات وسمات وسلوكيات مجتمعات البداوة، ويورثونها أبناءهم باعتبارها التفسير الوحيد للدين، لتترسخ فى بلادنا أفكار إطلاق الُلحى، وارتداء النقاب، وازدراء المرأة، ورفض غير المسلمين، والتساهل فى تكفير وتخوين الآخرين.

ولاشك أن بناء الجمهورية الجديدة، واطلاق النهضة العمرانية الشاملة، واستعادة مصر الحضارة والمدنية والتقدم يستلزم نبش خلاصات الأفكار المجلوبة، وخلخلة السلوكيات البالية، ونزع التطرف والتعصب والانغلاق ( بدأ الذين صنعوه مؤخرا فى التنكر له والتخلص منه)، وهو دور مطلوب وضرورى للدولة بقادتها ومؤسساتها وهيئاتها ونخبتها ومفكريها ومثقفيها وقواها الناعمة.

إننى أتذكر مثالا شهيرا أورده ابن الأثير فى كتابه «الكامل فى التاريخ» ليؤكد أن الإصلاح والتغيير فى سلوك البشر يأتى دوما من أعلى. يحكى المؤرخ الشهير أن الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك كان محبا للتعمير والبناء وإقامة القصور الفاخرة والجميلة، لذا فقد كان حديث الناس وقتها كله يدور عن المبانى الفخمة، وكانوا يتسابقون فى الإنشاءات ويتفنون فيها. ومن بعده كان الخليفة سليمان بن عبد الملك محبا للمآدب والأطعمة، ومحتفيا بألذ وأشهى المأكولات، فكان حديث الناس ومحاوراتهم تدور جميعا حول الأكلات الطيبة، وكانوا يسألون بعضهم البعض عما أعدوا من طعام وما أقاموا من ولائم. ثم جاء الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز وكان مشهورا بالصلاح والتقوى وكثرة العبادات، فكان الناس فى عهده يسألون بعضهم البعض عما حفظوا من القرآن، وعما أخرجوا من زكاة وصدقات. وهكذا تقلد الشعوب حكامها.

من هنا استبشر كثيرا وأنا أرى الدولة المصرية تحتفى بالفنان محمد صبحى، وتكرمه فى وقت ينشغل فيه صناع الضجيج بمطربى النشاز وممثلى العنف. وأشعر بالتفاؤل أن تطلق الدولة المصرية اسم فنان مصرى كوميدى عظيم مثل سمير غانم على أحد الطرق الرئيسية، فى وقت ينظر فيه سماسرة الفنون لأى إبداع حقيقى نظرة فوات الزمن. ثم أشعر بكثير من الرضا أن تبادر الدولة فى كل مناسبة للاحتفاء بالمرأة المصرية، ومساندتها والانتصار لها فى ظل أدعياء دين كذبة مازالوا يحتقرون الأنثى ويدافعون عن ضربها وازدرائها تحت لافتات دينية. وأنتظر انحيازا أكثر واحتفاء أكبر برموز الجمال والسحر واستعادة لقيم التسامح والإبداع.

[email protected]