رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى


                      *
"ـ  مرة واحدة استخدم حقى
ـ  أنت ملكش أي حق فى البيت ده!
ـ  لا.. أنا لى حق.. ده برضه بيتى
ـ  إمشى أخرج برة يا قليل الأدب
ـ  أنا مش قليل الأدب.. أنت اللى ظالم"
  عبد الحليم حافظ ـ عماد حمدي ـ فيلم"الخطايا"
                      *
[ القاهرة ـ 1962 ]
ثلاث كلمات فى هذا الحوار الذى دار بين الأب محمود (عماد حمدي) والابن حسين ( عبد الحليم حافظ ) كانت - أحياناً - تستوقفنى للتفكير، وتشد انتباهي للتأمل، رغم قناعتى، بأن الفيلم ـ الذى أخرجه حسن الإمام فى ذلك العام ـ ما هو إلا دراما إنسانية، اجتماعية، لا أكثر ولا أقل!
الكلمات هى (الحق ـ والبيت ـ والظلم) كما جاءت على لسان الابن وهو يواجه سلطة الأب، وجبروته، وبطشه، وتعنته، وجفاء قوله، وسوء فعله. كل ذلك لأنه حاول ـ ولو مرة واحدة ـ استخدام حقه فى الاختيار حتى وأن كان هذا الاختيار هو اختيار فتاة كزوجة له! لكن الأب وبما يملكه من سلطة يقرر حرمانه من حرية الاختيار، فيعلن الابن، غضبه، وتمرده، ورفضه لهذا القهر وهذا الظلم. والنتيجة هى حرمانه من العيش فى البيت، ليُطرد إلى الشارع، مع قطط الليل الجائعة، وسط نباح كلاب السكك الضالة الشاردة. الأمر الذى جعله يصرخ فى وجه ابيه قائلاً: "أنت ظالم! ظالم.. ظالم.. ظالم!!".
  ودون الدخول فى التفاصيل النقدية للفيلم، أنا لا أعرف ـ على وجه الدقة ـ هل كانت هذه الكلمات فى ذلك الحوار ـ ناهيك عن الصفعة الشهيرة التى تلقاها وجه عبد الحليم حافظ من يد عماد حمدي ـ تحمل بين حروفها ومعانيها رسائل فلسفية أو سياسية ـ الفيلم إنتاج 1962 - وأراد صُناع الفيلم ـ أو بعضهم ـ أن تصل إلى المجتمع؟ أم أنها مجرد  كلمات عادية، فى سيناريو عادي، فى فيلم عادي، من الوارد أن تقال بين أى أب وابن، فى أى زمن، وتحت أي سقف بيت؟
لكن المؤكد لى إننى ـ كلما رأيت الفيلم ـ أجدها وكأنها تلخص لنا مأساة حياتنا التى نحياها... فمَن منا لم يشعر ذات يوم بالظلم؟! ومَن منا لم ير بعينيه مَن يسكن ـ بغير حق ـ  مكانه ويستولى عليه ؟ والمكان قد يكون وطناً. وقد يكون بيتاً. وقد يكون أرضاً، وقد يكون حبًّا، وقد يكون قولاً، وقد يكون مهنة، وقد يكون إبداعاَ. وقد يكون سفر.. وقد يكون ترقية.. وقد يكون وظيفة..، وقد يكون.. وقد يكون.. فالمظالم بيننا كثيرة، وقائمة.. ومؤلمة.. ودائمة.. كل ساعة وكل يوم! والظلم هو الظلم.. قد يكون للنفس.. وقد يكون للغير من البشر، والحجر، والشجر، والطير !
                   *
[الإسكندرية ـ  صيف ـ 1964]
على مقهى بشارع الكورنيش، يجلس الآن الفنان يحيى شاهين يحتسى فنجان قهوة وأمامه صديقه نجم الشاشة الأول لسنوات طويلة عماد حمدي:
يحيى شاهين: يا صديقى أراك تصرف أموالك بلا ضابط أو رابط !
 ـ  يا يحيى.. دنيا وبنعشها!
 ـ  نعم.. لكن النجاح لا يدوم، والصحة لا تدوم، والمال لا يدوم، والشهرة لا تستمر، ثم أكمل كلامه قائلاً: «يا عماد.. القرش الأبيض ينفع فى اليوم الأسود.. لا تضيع أموالك هكذا هباء.. اعمل حساب لبكره يا أخي!».
 سكت عماد حمدي ولم يعلق، وألقى ببصره ناحية موج البحر الهادئ البعيد. كانت هذه النصيحة له من صديقه، لكنه ـ  للأسف ـ لم يستمع لما قاله، حيث يمتلك عقارات، وأرصدة فى البنوك، واسطبل للخيل به 37 حصاناً عربياً أصيلاً، وأفلاماً أنتجها وزوجة أولى اسمها فتحية شريف طلقها بعدما تزوج من الفنانة شادية التى أيضاً طلقها بعد زواج دام ثلاث سنوات وولد وحيد اسمه «نادر» من زوجته الأولى، ثم بعد ذلك زواجه من الفنانة نادية الجندى، التى ـ أيضاً ـ طلقهاً! ليعيش بعد ذلك سنواته الأخيرة، بلا زوجات وبلا عقارات، وبلا أموال تحميه من تقلبات الزمن. فهل ظلم عماد حمدي نفسه؟ عندما لم يستمع لنصيحة يحيي شاهين؟ ربما !
                  *
 [الجيزة ـ 2016 ]
   كانت الساعة تشير إلى السابعة من مساء ليلة صيف هادئة عندما جلستُ مع نادر عماد حمدي (عمره وقتها كان 67) فى "نادي نقابة المهن التمثيلية" على ضفاف النيل. فى بداية اللقاء قلت له: هل ظَلم عماد حمدي نفسه؟
رد: - أبى عاش حياته بالطول والعرض، أنفق كل أمواله على نفسه وزيجاته، وسفرياته، ولم يدخر مليماً واحداً، وربما يكون هذا هو السبب الذى جعله فى نهاية رحلته مع الحياة يشعر بهذا الخطأ، الذى لم يكن فى حقى أنا فقط بل كان فى حق نفسه هو فى الأساس.. وفى حق أمى فتحية شريف التى تزوجها فى عام 1948 وكانت فنانة شابة، وربما معروفة أكثر  منه فى الوسط الفنى. كان دخلها 200 جنيه في الشهر ، فى الوقت الذي كان هو يتقاضي 25 جنيهاً. وعندما تزوجها طلب منها ألا تكمل مشوارها فى الفن.. ومن حبها له استجابت لرغبته، وبعد 6 سنوات زواج تقريباً، كانت السينما فتحت له أبواب مجدها، فتحول من موظف فى "ستوديو مصر"، يحسب ميزانية تصوير الأفلام، إلى نجم تتصدر صوره أفيشات هذه الأفلام  لسنوات طويلة !
                    *
[القاهرة ـ 1954]
"إلى المواطن أحمد إبراهيم القاطن فى دير النحاس:
لا تشرب الدواء الذى أرسلت ابنتك فى طلبه.. الدواء فيه سم قاتل، عند سماعك هذه النشرة، بلغ الحكمدارية".
 سنوات طويلة مرت على هذا النداء الشهير، الذى جاء فى فيلم «حياة أو موت» للراحل كمال الشيخ، وما زال ـ أى النداء ـ يُعد علامة بارزة فى سجل السينما المصرية. وما زال الدور الذى قدمه عماد حمدى فيه يٌعد نقطة تحول ـ على الأقل جماهيرياً ـ فى مشواره الفنى، فبرغم أنه قدم ما يقرب من 37 عملاً سينمائياً قبله، إلا أنه ـ ربما ـ لأسباب  لها علاقة بالصحة والمرض، والموت والحياة، واليأس والأمل، ظلت الجماهير، بكل عواطفها، ومشاعرها، تتابع لحظة بلحظة، خطوات ابنته ـضحى أمير ـ، فى الفيلم، وهى تسير فى شوارع القاهرة، حاملة رسالة الموت فى زجاجة، متمنين لها ـ أي الجماهير التى تتابع ـ ألا تصل الرسالة إلى بابه، ألا تصل إلى يده. ألا تصل إلى فمه. ألا تصل إلى حلقه. و..و.. وقد كان.. ولم تصل الزجاجة، ولم يشرب الدواء الذى كان به «سماً»! لتتنفس الجماهير الصعداء.
الآن انتصرت الصحة على المرض. انتصرت الحياة على الموت، أمام عيون تشعر فى كل لحظة بدبيب الموت يدنو منها فى صمت.
لقد اعتبر كل من شاهد هذا العمل نفسه مسئولاً عن إنقاذ حياة «أحمد إبراهيم» وهو - فى واقع الأمر ـ يحاول إنقاذ حياته هو نفسه. لقد نجحت حكمدارية بوليس العاصمة ـ سُميت بعد ذلك مديرية أمن القاهرة ـ فى إنقاذ حياة عماد حمدى الفنان ـ وليس الإنسان ـ على الشاشة من أن يموت بجرعة دواء خاطئة! لكنه هو نفسه الإنسان ـ وليس الفنان ـ فشل فى إنقاذ حياته من الموت وحيداً، وكفيفاً ومريضاً، وفقيراً لا يملك من دنياه سوى 20 جنيهاً في حسابه البنكي فقط!   
                   *
[الجيزة ـ 2016 ]
قلت للابن نادر: أين ذهبت أمواله وعقاراته، وما كان لديه فى البنوك؟ رد: كان لديه «اسطبل خيل» يقدر الآن بالملايين، بخلاف الأفلام التى أنتجها والشقق التى كانت لديه، كل ذلك ذهب مع الريح، ومات كما تعلم وهو لا يمتلك فى البنوك سوى 20 جنيهاً. فهو لم يكن يعمل أى حساب للغد. كان يعيش بمنطق «اصرف ما فى الجيب.. يأتيك ما فى الغيب»! وكان يعشق السفر، فلم يترك بلداً لم يزره، وساعده فى ذلك شقيقه ـ التوأم عصام ـ الذى كان يعمل دبلوماسياً كملحق تجارى في الخارج، فكان ينتظره من بلد إلى آخر، ليقضيا سويةً أياماً، بل أسابيع، سائحين فى بلاد الله، وكان عمى هو توأم روحه بالفعل.  وتوفى قبل أبى بشهور، ثم رحلت أمى بعده، وبرحيلهما فقد أبى رغبته فى الحياة، ودخل فى حالة نفسية سيئة أدت إلى رغبته فى الانعزال عن الناس فى أيامه الأخيرة.
                   *
 [سوهاج ـ 1909]
 فى يوم 5 نوفمبر من ذلك العام ولد فى تلك المدينة، وسط الصعيد، طفل اسمه محمد عماد الدين عبد الحميد حمدى. بعد سنوات انتقل مع أسرته للعيش في القاهرة. وعندما كبر عمل موظفاً فى مستشفى «أبو الريش»، ثم التقى صديقه محمد رجائى خلال تصوير فيلم «وداد» في "استوديو مصر"، عام 1936، الذى أسند له وظيفة رئيس حسابات في الأستوديو. استمر فى وظيفته حتى تمت ترقيته إلى مدير للإنتاج، إلى أن جاءته الفرصة للظهور على شاشة السينما. وكانت أولى بطولاته فيلم «السوق السوداء» عام 1945 وعمره وقتها 37 عاماً. بعدها انطلق إلى عام الأضواء والنجومية حتى لُقّب بـ«فتى الشاشة الأول»، وقام ببطولة ما يقرب من 250 فيلماً، أبرزها «أم العروسة» و«ثرثرة فوق النيل» و"سيدة القطار"، و"الكرنك"، و"لا أنام"، و"أبي فوق الشجرة"، و"الخطايا" و"سوّاق الأتوبيس".
                    *
[الجيزة ـ 2016]
 وبعدما انفض من حوله العالم، وغابت عنه الأضواء، ووهنت الصحة، وضعف البصر، ولم يعد لديه مال أو أعمال، عاد إلى أمى مرة ثانية ـ هكذا يتذكر نادر ـ وعاش معها ومع زوجتى، فى شقتي. وذات صباح وجدت رسالة لى ـ أثناء عملى بدولة الإمارات ـ تقول: "أباك اتصل بك ويريدك". اتصلت به فقال: "أُريدك أن تعود يا نادر.. عمك مات وأنا ليس لى أحد فى الدنيا غيرك". وقالت لى أمى: "عد من أجل أبيك".. وبالفعل عدت وعشت بجوارهما معاً.
                    *
( القاهرة ـ 1983)
 وفى نهاية الرحلة، وقبل رحيله، جلس عماد حمدي يقول لابنه: "هل أنت غاضب منى؟".)
-نادر: لا يرد!
-هل أنت حزين بسببى يا ابني؟
-نادر: لا يرد!
ـ أعرف أننى ظلمت والدتك وأعرف أننى ظلمتك، وأعرف أننى لم أعمل حساباً لغدر الزمن. وأعرف أننى لم أترك لك مالاً يقويك ويحميك ويجعلك تعيش كما يليق بابن عماد حمدى! أعرف كل ذلك.. لكني اليوم فى طريقى إلى مغادرة الحياة.. فى طريقى إلى الله.. الذى أرجو أن يغفر لى.. ويسامحنى.. فهل أنت ستغفر لى..
قال ذلك ثم بكى!
ارتمى نادر فى حضنه ودموعه تنهمر..  وهو يقول: "لقد أوصتنى أُمي قبل وفاتها قائلة: (يا نادر.. أوصيك أن تسامح أباك).. فكيف لا اسامحك.. وأنت أبي"؟
بعد هذا الحديث بأيام دخل عماد حمدي إلى غرفته وطلب ألا يدخل عليه أحد، وأن لا يكلمه أحد، فهو يريد أن يرحل بهدوء..
                    *
[القاهرة ـ 1984]
 وفى النهاية.. رحل عماد حمدي،  فى مثل هذا اليوم من ذلك العام -  28 يناير - بعدما قدم لنا أدواراً متميزة على الشاشة، يأتي أبرزها ـ من وجهة نظري ـ دوره فى فيلم "ثرثرة فوق النيل" الذي لخص لنا فيه مأساتنا التى عشناها ـ ومازلنا نعيشها - وهو يتساءل فى دهشة واستنكار ـ من خلال شخصية المواطن أنيس ـ قائلاً : "هو اللى بتعمله دي.. مش زي اللى بيعملوه دول.. وإلا القانون مبيطبقش إلا على الناس الغلابة"؟!
                   *
[ القاهرة - 2021]
.. 60 سنة مرت - تقريباً - على هذا السؤال.. ومازال - ومازلنا - فى انتظار الإجابة...