رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

تعتبر الملكة الفرعونية حتشبسوت هى أول من أدرك أهمية التجارة الخارجية كإحدى دعائم الاقتصاد الوطنى ومصادر زيادة رفاهية المواطنين اقتصاديًا واجتماعيًا. هى إحدى الملكات المصريات القديمات، تم تصنيفها فى المرتبة الخامسة من سلسلة ملوك الأسرة الثامنة عشرة، ويعتبرها المصريون أحد رموز الفراعنة الناجحين، إذ حكمت مصر بعد وفاة زوجها الملك تحتمس الثامن، واشتهرت بأعمالها الخيرية المختلفة، ويوجد الآن تمثال منقوش عليه وجهها ويقع فى متحف متروبوليتان، تلقت الملكة حتشبسوت أثناء تعليمها العديد من الموضوعات مثل: الحساب، والفلسفة، والإنشاء، وقواعد اللغة، والطقوس الدينية، بالإضافة إلى الأخلاق والسلوكيات الصحيحة.

تميز عهد الملكة حتشبسوت بالازدهار والرخاء وانتعاش القطاع الزراعي، حيث شرعت فى بناء الطرق، وشق الترع، وحفر القنوات المائية، مما ساعد على دعم التنمية الاقتصادية، حيث جاء ذلك الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى بعد سنوات طويلة من الحروب والصراع اختتمها جدها الأكبر أحمس الأول مؤسس الأسرة الثامنة عشرة بقهر الهكسوس وطردهم خارج البلاد. أدركت الملكة حتشبسوت أن قوة الجيش ضرورة ولكن الانفتاح السلمى على العالم الخارجى لن يتم إلا من خلال تقوية تجارة مصر الخارجية مع دول الجوار، ولذلك تبنت عددًا من الرحلات والبعثات التجارية للخارج.

زادت الملكة حتشبسوت، عندما حكمت مصر من حوالى 1473 إلى 1458 قبل الميلاد، من التجارة بشكل كبير، وفى ظل حكمها، ازدهر الفن والعمارة المصرية. ساعدت التجارة فى انتشار النفوذ المصرى على طول نهر النيل، حيث تم جلب أكثر من 200 رجل فى خمس سفن الهدايا والسلع التجارية إلى بونت. كانت فترة حكمها إحدى الفترات التى اتسمت بالرفاهية، وقوة الجيش، وقامت بالعديد من الأعمال المعمارية منها: إعادة استعمال القنوات المائية التى تربط ما بين دلتا البحر الأحمر، والنيل، بناء العديد من المنشآت فى معبد الكرنك، إنشاء السفن الكبرى، واستغلالها فى نقل المسلات الداخلية لتمجيد الآلة آمون. استيراد المواد الترفيهية المتنوعة مثل: العطور، والتوابل، والنباتات، والجلود، والأشجار الاستوائية. كما قامت بإرسال أسطولٍ ضخمٍ للمحيط الأطلسي، لاستيراد السمك النادر. وفى المقابل قامت بتصدير الهدايا والكتان والبردى إلى الصومال وجنوب اليمن. كانت أشهر الرحلات التجارية التى تبنتها الملكة حتشبسوت رحلة بلاد بونت (الصومال حاليًا) التى انطلقت خلال العام التاسع لحكمها واستغرقت ذهابًا وإيابًا نحو العامين، شق فيها الأسطول التجارى المصرى طريقه عبر البحر الأحمر محملًا بالهدايا والبضائع المصرية من أوراق البردى والكتان، ثم عادت السفن مُحملة بكميات كبيرة من الذهب، والبخور، والعطور، والأبنوس، والعاج، والأخشاب، والبذور، والجلود وبعض الحيوانات المفترسة، وصُورت أخبار تلك البعثة على جدران معبد الملكة حتشبسوت بالدير البحرى قرب مدينة طيبة (الأقصر حاليًا).

ولا تزال النقوش التى تزين جدران المعبد وتوثق الرحلة البحرية إلى بلاد بونت محتفظة برونقها وألوانها إلى حد كبير. لم تكن تلك الرحلة مجرد رحلة تجارية عادية، بل جاءت بناءً على تكليف إلهى من الإله آمون للملكة حتشبسوت حين شكا لها من أن البخور المُستخدم فى الصلاة فى معابده من نوع رديء، وكلفها بإرسال بعثة إلى بلاد بونت لجلب بذور أجود أنواع أشجار البخور لزراعتها فى حدائق معابد الإله آمون.

لم يكن لدى حتشبسوت أى نظريات أو نماذج اقتصادية، ولكنها بذكائها الشديد جعلت من مصر آنذاك قوة اقتصادية وعسكرية لا يستهان بها ولها حلفاء دون إراقة للدماء أو افتعال حروب مع البلاد المجاورة، أو خلق بؤر للصراع الإقليمي. لقد استطاعت أن تُدرك أن تنشيط التجارة الخارجية المصرية والانفتاح على العالم الخارجى هو السبيل نحو دعم الاستقرار الاقتصادى والسياسى طوال فترة حكمها للبلاد.

د. حامد عبدالرحيم عيد

أستاذ بعلوم القاهرة

‏[email protected]