لا يكاد يمر يوم إلا ونقرأ عن القبض على متهمين بنهب المال العام أو إهدار هذا المال مقابل رشاوى يحصل عليها مسئول كبير أو صغير.
رغم هذا الجهد المشكور للأجهزة الرقابية فلم تزل الملايين من المال العام تتدفق إلى خزائن الفاسدين، سواء بالنهب المباشر أو بغض النظر عن ناهبى المال العام وتسهيل مهمة الناهبين مقابل الرشاوى.
ولا لوم على الأجهزة الرقابية فى هذه الحالة، فهناك الكثير من العوامل التى تساهم فى استمرار نهب وإهدار المال من أهمها البطء الشديد فى محاكمة الفاسدين، واستغلال بعض المحامين لثغرات فى الإجراءات القانونية للحصول على براءة هؤلاء الفاسدين.
وفى هذا الصدد على المؤسسات المعنية بالتشريع أن تعالج هذه الثغرات من أجل محاكمات سريعة وعادلة.
هذا عن الفساد، فماذا عن الفشل؟! الفشل- يا سادة يا كرام- لا يقل خطورة عن الفساد، بل إن الفشل فى إدارة بعض المؤسسات والشركات المملوكة للدولة كلياً أو جزئياً قد يكلف الدولة المليارات.
والأمثلة لقيادات عليا فاشلة كثيرة، وبعض هذه القيادات تتولى المسئولية عن شركات ومؤسسات رأسمالها يصل إلى عدة مليارات من الجنيهات. فإذا حققت هذه المؤسسات أو الشركات أرباحاً هزيلة لا تتناسب مع الأرباح الطبيعية للنشاط المماثل الذى يمارسه القطاع الخاص فمعنى هذا ببساطة أن الإدارة العليا فى هذه الشركات أو المؤسسات إدارة فاشلة. والفشل فى هذه الحالات يحرم خزينة الدولة من المليارات التى كان من الممكن التى تتدفق على خزينة الدولة لو أن هذه المؤسسات أُديرت بواسطة قيادات تتمتع بالكفاءة المطلوبة.
إهدار هذه المليارات من الأموال المستحقة للدولة لا يختلف مطلقا عن نهب المال العام بالسرقة أو الرشوة. بل اننى أرى أن إهدار هذه المليارات نتيجة فشل الإدارات العليا أكثر خطورة من الفساد بالسرقة أو الرشاوى، لأن هذا الفساد يمكن أن ينكشف أمره- وهذا يحدث فى حالات كثيرة- ويلقى الفاسد جزاءه الرادع.
أما الفاشل فأقصى ما يتعرض له هو نقله إلى مؤسسة أو شركة أخرى ليهدر المزيد من الملايين أو المليارات. وقد يصل الأمر إلى عزله بعد أن يكون قد تسبب بفشله فى إضاعة المليارات من الأرباح التى كان من الممكن أن تتدفق إلى خزينة الدولة. وكثيراً ما يتم تكريم هذا الفاشل عندما يغادر موقعه.
هذا الفشل هو الذى أدى إلى تدمير القطاع العام، وتسبب فى تفكيك القاعدة الصناعية الهائلة التى تم بناؤها، فخسرت مصر بتفكيك هذه القاعدة الصناعية المليارات، وفقدت ما هو أهم، فقدت الفرصة الممتازة التى كانت تؤهلها للتنمية الصناعية والعلمية فى مجالات عديدة.
اليوم لابد من وقفة أمينة وحاسمة مع هذه الحالات، وتتطلب هذه الوقفة الحاسمة إعادة النظر فى طريقة اختيار القيادات العليا لمؤسسات وشركات القطاع العام وما فى حكمها (الشركات التى تساهم الدولة فى رأسمهال بنسبة 25٪).
وللأسف لم تزل طريقة الاختيار تعتمد على «تقارير» أمنية، ومثل هذه التقارير يمكن أن يتم الاسترشاد بها فقط بعد التأكد من قدرات وكفاءة المرشح لتولى مسئولية الإدارة العليا. وبوضوح أكثر على المسئولين عن اختيار القيادات العليا لشركات ومؤسسات القطاع العام أن يتخلوا تماما عن المعيار الكارثى الذى تسبب فى ضياع المليارات والتخلف، وهذا المعيار الذى يفضل «أهل الثقة» ويتغافل عن «أهل الخبرة».
ومع اختيار «أهل الخبرة» يجب أن تعطى القيادة المختارة فرصة زمنية محددة لإصلاح الخلل الذى تعانى منه المؤسسة أو الشركات إن كانت من الشركات الخاسرة، أو تحقيق المزيد من النجاحات إذا كانت هذه الشركات تحقق أرباحاً.
وبعد انقضاء «المدة الزمنية» الممنوحة لهذه القيادة تقوم جهة متخصصة بتقييم أداء القيادة العليا ومدى نجاحها أو فشلها فى تحقيق الأهداف التى تم تحديدها لهذه القيادة يوم تولت المسئولية.
وهذا التقييم- المعتمد بطبيعة الحال- على أدلة مادية ومعايير فنية دقيقة يوضع أمام المسئول عن اختيار القيادات العليا ليصدر القرارات الفورية بإبعاد من ثبت فشله وتثبيت من حقق نجاحاً.
ويبقى أن تكون هناك آلية لاستمرار التقييم وأن يتم اتخاذ قرارات تغيير أو تثبيت هذه القيادات العليا على فترات زمنية لا تتجاوز العام أو العامين.
بغير هذه المتابعات فسوف يظل «الفشل» إحدى الثغرات التى تتسرب منها المليارات من المال العام ولا أحد يلوم الجماهير إذا نسبت نتائج هذا الفشل إلى رئيس الوزراء، بل ربما نسبت الفشل ونتائجه الكارثية للقيادة السياسية.
يا سادة يا كرام، محاربة الفساد لا تكتمل إلا بمراجعة سريعة وأمينة وحاسمة لأداء القيادات العليا فى العديد من المؤسسات والشركات المملوكة كلياً أو جزئياً للدولة.
فهل تجرؤ.. وأكرر هل تجرؤ الأجهزة الرقابية على القيام بمثل هذه المهمة؟! أرجو..
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض