تتعامل الدول المحترمة مع منشآت أو مؤسسات باحترام وتقدير شديدين إذا اقترن تاريخ هذه المؤسسة أو المبنى بأحداث تاريخية مهمة، ولا تسمح هذه الدول بأى تصرف يمثل عدواناً على هذه المؤسسات والمنشآت، وتتفاوت أهمية هذه المؤسسات والمنشآت بمستوى الأحداث التاريخية التى شهدتها، وبالدور الوطنى لهذه الأحداث وكلما كان الأثر التاريخى للأحداث عميقاً فى مسيرة الدولة زادت القيمة التاريخية للمؤسسة أو المنشأة، حتى يصل الأمر ببعضها ليصبح أحد الرموز الوطنية، التى لا يسمح تحت أى ظرف بالمساس بها أو إهمالها.
فى هذا السياق احتل مبنى ماسبيرو موقعاً مهماً بين الرموز الوطنية المصرية، فقد ورث ماسبيرو المبنى تاريخاً حافلاً للعديد من التحركات والتغييرات الحاسمة فى تاريخ الشعب المصر، على جميع الأصعدة السياسية والفنية والثقافية.. ورث مبنى ماسبيرو تاريخ مبنى «الشريفين»، الذى شهد أمجاد الإذاعة المصرية.
التغيرات السياسية الحاسمة فى التاريخ المصرى الحديث كانت تبدأ ببث بيانات قوى التغيير «الثورات» على أثير الإذاعة المصرية وكانت الاستجابة الجماهيرية الواسعة لهذه النداءات هى البداية الحقيقية للتغييرات السياسية الحاسمة فى مسيرة الوطن. أثير الإذاعة المصرية كان «القوة» الدافعة التى مكثت ثورة يوليو 1952، من التحول من حركة للجيش إلى «ثورة» لشعب مصر، وأثير هذه الإذاعة هو الذى حرك بقوة حركات التحرر الوطنى فى الوطن العربى كله وفى أفريقيا لتتمكن الشعوب فى هذه المناطق من التحرر من الاستعمار، وكانت استديوهات الإذاعة المصرية بمثابة «غرف عمليات» لحركات التحرر العربى والأفريقى، ومن هذه الاستديوهات كان قادة التحرر الوطنى فى تلك الدول يديرون عمليات التحرير فى بلادهم.
وعلى الصعيد الفنى تألق نجوم الغناء خاصة وباقى الفنون سواء منهم المصريون أو العرب، فقد كانت الإذاعة المصرية ومن بعدها ومعها التليفزيون المصرى كان هذا الإعلام الوطنى المصرى هو «المنصة العربية»، التى تحقق الانتشار والنجاح لأى فنان مصرى أو عربى، وعلى أثير الإذاعة المصرية وشاشات التليفزيون المصرى تألقت كل المواهب الفنية بدءاً من قمم الغناء أم كلثوم وعبدالوهاب ومروراً بكم هائل من الفنانات والفنانين الذين يمثلون بحق قمة الإبداع الفنى فى الغناء والموسيقى والدراما، وعلى الصعيد الثقافى ازدهرت الحركة الثقافية العربية عامة والمصرية خاصة عندما نقل أثير الإذاعة المصرية وشاشات التليفزيون المصرى الأحاديث والندوات وعرض الأعمال الأدبية الرائعة لعمالة الأدب والثقافة فى مصر والوطن العربى. كانت الجماهير العربية على امتداد الوطن العربى كله تنتظر بلهفة إبداعات الدراما التى تعتمد على كتابات طه حسين وتوفيق الحكيم ويحيى حقى وإحسان عبدالقدوس ونجيب محفوظ وغيرهم من عمالقة الرواية والقصة، وكانت هذه الجماهير تتلمس الأفكار المستنيرة فى أحاديث الشيخ شلتوت والدكتور محمد عبدالله دراز والشيخ فرج السنهورى والعشرات من قادة الفكر الدينى المستنير.
ولو أردت أن أعدد مجالات التأثير فلن تسعفنى مئات المقالات، فقط ما أوردته ليس أكثر من لمحات سريعة لمساهمة إعلام الدولة ممثلاً فى الإذاعة والتليفزيون فى مجرى الأحداث السياسية والفنية والثقافية ليس فى مصر وحدها بل وفى العالم العربى كله ومن هنا نستخدم تغيير النفوذ الأدبى المصرى عربيا وإسلامياً وما اصطلحنا هذه الأيام على تسميته بـ«القوة الناعمة المصرية».
شهد مبنى «الشريفين» ومن بعده مبنى «ماسبيرو» هذه الأحداث وكانت طرقات هذا المبنى واستديوهاته هى الملتقى، الذى تشاهد فيه وجوه كل هؤلاء العمالقة.
والمؤسف أن مبنى الإذاعة فى شارع الشريفين قد تم إهماله بعد أن انتقل النشاط الإذاعى والتليفزيونى لإعلام الدولة إلى مبنى ماسبيرو، ومن هنا فقد تم اختزال الحديث عن إعلام الدولة «تاريخياً» فى المبنى الجديد نسبياً وهو «ماسبيرو»، انتقلت بهذا كل المعانى التى سبق وذكرتها وتركزت فى «ماسبيرو» وهنا أصبح اسم «ماسبيرو» هو المرادف لإعلام الدولة وآمل أن يلقى المبنيان الشريفين وماسبيرو العناية اللائقة بأحد أهم الرموز الوطنية.
ويضاعف من قيمة «إعلام الدولة» هذه الأيام ما نشهده من انهيار بشع للنشاط الإعلامى وسيطرة رأس المال على النشاط الإعلامى، وبدلاً من أن يكون هذا الوضع الخطير نذيراً ينبه المخلصين من هذا البلد لدعم «إعلام الدولة» دعماً حقيقياً ليؤدى دوره الطبيعى فى التعبير عن المصالح العليا للأغلبية الساحقة من الشعب المصرى فى مواجهة جحافل شاشات رجال الأعمال التى تعبر - بطبيعة الحال - عن مصالح مالكيها، هذه المصالح التى لا يمكن أن نتصور أنها لا تتعارض تعرضاً عنيفاً فى حالات كثيرة مع المصالح العليا للأغلبية الساحقة من الجماهير.
فإذا حاول أحدهم بدعوى أن بلاداً متقدمة عديدة يسيطر رجال الأعمال فيها على وسائل الإعلام، فالرد المنطقى أن القياس هنا فيه مغالطة كبيرة لأن الدول التى يسيطر فيها رأس المال الخاص على «الإعلام» دول استقرت بها القواعد والتقاليد الديمقراطية وسنت القوانين الحاسمة التى لا تسمح لمالك الوسيلة الإعلامية بالتحكم فى مضمون خطابها الإعلامى، ولأن الرقابة الشعبية فى تلك البلاد رقابة صارمة وبالغة القوى وهى كفيلة بإلزام هذا «الإعلام الخاص»، بعدم التصادم مع المصالح العليا للغالبية الساحقة من الجماهير.
«ماسبيرو» يا سادة يا كرام رمز بالغ الأهمية من الرموز الوطنية.. وأمل الشعب فى توازن النشاط الإعلامى وإنقاذ ماسبيرو من عثرته ليس مستحيلاً ولهذا حديث مستقل ومفصل.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض