على الهوا
هذا العدد الهائل من الفضائيات التى يتدفق ضجيجها على مدى الأربع والعشرين ساعة فى الفضاء العربى هل يؤدى تكاثرها فعلاً إلى «تنافس» مهنى تجنى الجماهير ثمرته متمثلة فى رسائل إعلامية تقدم الخبر الموثوق والتحليل العميق والمعلومة الصحيحة والترفيه الراقى الذى يرتقى بالأذواق.
هذا السؤال وجهه لى بعض المهتمين بالنشاط الإعلامى، وكانت إجابتى أن نسبة ضئيلة للغاية من هذا السيل المتدفق من الفضائيات يمكن أن نطلق عليه وصف «الرسالة الإعلامية»، التى يمكن أن تقدم بعض الفائدة للمتلقى.
أما الحقيقة الصادمة فهذا العدد الهائل من الفضائيات لا يمثل تنافساً أو تعدداً، فجميع هذه الفضائيات ليست أكثر من «نسخ كربونية» لا فرق بين قناة وأخرى سوى أسماء من يقدمون برامجها وأسماء هذه البرامج لا أكثر.
وكان من الممكن أن يتم التنافس فعلاً على الأقل فى المواد الثقافية والترفيهية، غير أن التنافس فى هذا المجال مفقود تماماً. السر أن جميع هذه القنوات مع تعدد مالكيها ومن يقومون على إدارتها ليسوا مؤهلين للدخول فى منافسة حقيقية لتقديم الأكثر جودة، أو لنقل إن الظروف الحاكمة للنشاط الإعلامى العربى كله لا تسمح لهم بأى تنافس حقيقى، وأعنى بهذه الظروف الحاكمة سيطرة «الإعلان» الكاملة على مقدرات هذه القنوات، ومع الاتجاه لتكتلات عملاقة لشركات الإعلان أصبح على جميع هذه القنوات أن ترضخ لتوجهات وتعليمات هذه الاحتكارات الإعلانية.
ولأن وكالات الإعلان فى مصر والوطن العربى نشأت فى ظل توجهات فكرية ترى أن الرسائل الإعلامية الجادة الثقافية والعلمية بل والترفيهية، رسائل طاردة للقارئ والمستمع والمشاهد، وأن المادة الأكثر جذباً للملتقى هى المادة المثيرة، وكلما أمعنت المادة التى تقدمها الوسيلة الإعلامية أمنعت فى الإثارة بكل ألوانها، خاصة الإثارة بالعنف اللفظى والجسدى أو الإثارة بالإيحاءات الجنسية، وكلما تعاظمت هذه الإثارة كانت المادة أكثر جذباً للمتلقى خاصة لمشاهدى التليفزيون.
وأذكر فى هذا السياق أن تليفزيون الدولة ظل لسنوات يقدم الأعمال المحترمة الثقافية والعلمية والفنية، وعندما استسلم تليفزيون الدولة لسطوة «الإعلان» تم إلغاء جميع البرامج الجادة الثقافية منها والترفيهية، أو على أحسن الفروض تم بثها فى أوقات المشاهدة «الميتة» وهى الأوقات التى تبدأ من الثانية بعد منتصف الليل، وتم تخصيص جميع الأوقات المتميزة والتى تحظى بنسبة مشاهدة عالية لتقدم بها أكثر الأعمال إثارة وتفاهة تحت شعار «الجمهور عاوز كده»، وهو شعار يتبناه من لا تسعفه ثقافته أو موهبته لتقديم مادة محترمة وجذابة فى نفس الوقت.
يبقى الحديث عن «التنافس» فى تقديم الأخبار وما حولها من برامج تقدم إضاءات على الجوانب المختلفة للأخبار، و«التنافس» هنا منعدم تماماً.. فكل الفضائيات وكل وسائل الإعلام الأخرى تتحرك بإشارة من «جهة واحدة» فى كل بلد عربى وهى القيادة السياسية بهذا البلد أو ذاك.
وسواء كان المسئول عن هذا «التوجيه» وزيراً للإعلام أو جهة «عليا» هكذا يشار إليها دون تحديد هويتها، فالأمر فى النهاية يحدد لجميع هذه القنوات التوجه الذى عليها أن تلتزم به، ونعلم جميعاً أن هذه التوجيهات يتلقاها إعلام الدولة بشكل مباشر، وأن «الإعلام الخاص» لا يملك أن يتجاهل هذه التوجيهات، بل إنه يسعى ليعرف أبعادها حتى يغالى فى الالتزام بها، والسبب أن رجال الأعمال وهم أصحاب هذه الفضائيات الخاصة يعلمون علم اليقين أن السلطة الحاكمة تملك سيف المعز وذهبه، وأن من يجرؤ منهم على عدم الالتزام التام بالتوجيهات سيطيح سيف المعز بكل ما يملك وربما أطاح برأسه، بينما مبالغته فى الالتزام بالتوجهات التى تريدها السلطة الحاكمة ستفتح له خزائن ذهب المعز ليغترف منها.
خلاصة هذا كله أن هذا العدد الهائل من الفضائيات خاضع تماماً لتوجهات تصدر من «جهة واحدة» هى «الإعلان» فيما يتعلق بالبرامج غير السياسية و«جهة واحدة» هى السلطة الحاكمة فيما يتعلق بالمواد السياسية.
فهل يتصور عاقل أن تتم «منافسة» حقيقية أو تعدد له قيمة فى ظل الخضوع لمصدر واحد هو الذى يحدد مسار النشاط الإعلامى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض