خارج السطر
أتتبعهم واحداً واحداً. أصحاب الفكر الانقلابى، سافحى الدم على الطرقات، ومُزهقى الأرواح غيلة. لا أراهم سوى قتلة مُنتشين، يتخيلون أنفسهم مُخلّصين ومُختارين من الله لتحقيق مُراده.
ما أغرب أن يُصفق لهم مُصفق! وما أعجب أن يُقدسهم أُناس، بل ويُسمونهم شُهداء وأبطالاً. قبل أيام نشر الشيخ أسامة حافظ رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية مقالاً بموقع «الإسلاميون» يرثى فيه القاتل خالد الإسلامبولى ويُعيد تقديمه للناس باعتباره مؤمناً نقياً وشهيداً عظيماً.
ما يُزعجنى أن أسامة حافظ مُصنّف لدى باحثى الحركات الإسلامية باعتباره من المحسوبين على السلمية، النابذين العنف. والمؤسف أيضاً أن الرجل أُفرج عنه فى «هوجة» المراجعات وسُمح له بالظهور والحديث والكتابة فى الصُحف بدعوى أنه فقيه دينى وداعية.
كتب الرجل عن «الإسلامبولى» أنه كان طفلاً رقيقاً فى الثالثة والعشرين، مثالاً من التواضع والحياء، كثير العبادة والطاعة، صواماً، قواماً، يُرتل القُرآن فيبكى، ويستيقظ قبل الفجر ليُصلى أربع ركعات، ناصحاً زُملاءه بالصلاة قبل شروق الشمس. وقال إنه سبقنا إلى الشهادة، وأنه ذهب شُجاعاً إلى ساحة الإعدام ليذهب إلى الحكم العدل الذى لا يُظلم عنده أحد، ودعا أسامة حافظ أن يجمعه الله بخالد فى أعلى عليين.
وصار من الواضح أن الشيخ الذى أعلن توبته، وأعاد تقديم نفسه كداعية سلم وموعظة حسنة ما زال يرى القاتل مُحقاً فى جُرمه، وكأنه ما غدر، وما ظلم، ولا خرج عن ربقة الإيمان وهو يُطلق رصاص الموت على السادات مهما كان الاختلاف معه أو عنه مُشيعاً الفزع، ومُستبيحاً روح إنسان بغير وجه حق.
خالد الإسلامبولى قاتل. أحلّ حراماً، واستباح دماً، وكفّر مؤمناً، وافتأت على حق الله فى مُحاكمة مَن رآه ظالماً أو مُتجبراً.
نسى الشيخ أسامة أن عبدالرحمن بن ملجم قاتل الإمام على كان أحد حفظة القُرآن، وأنه كان كثير البُكاء كُلما رتّل، مُتقّرح الجبهة من كثرة السجود. رأى ابن ملجم الُإمام على كافراً وعندما قُبضوا عليه وأُعدم كان سعيداً بسرعة دخوله إلى الجنة! وبعده تناثر دُعاة الدم فى ساحة الإسلام فقتلوا وعذبوا وأشاعوا الخوف ورسموا القسوة والبشاعة ظانين أنهم ممن يحسنون صُنعاً.
ليس أقسى من قلب القيم، وليس أبشع من تزوير مراد الله وادعاء الوكالة عنه سبحانه وتعالى. أن يُصبح القاتل شهيداً، والمقتول جانياً، أن يتبدل الخبيث طيب، والطيب خبيث، أن يرى البعض القًبح نوراً، والشر خيراً.
فى زمن الحق الضائع تلتحف الظُلمة بأردية البطولة، ولا يعرفُ كما قال الشاعر النقى صلاح عبد الصبور «مقتولٌ مَن قاتله، ولِم قتله»، لأن «رؤوس الناس على جُثث الحيوانات، ورؤوس الحيوانات على جُثث الناس». فيا مولانا يا شيخ أسامة: تحسس رأسك. تحسس رأسك.
والله أعلم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض