علي الهوا
الحديث موصول عن التكتلات الإعلامية وما تمثله من خطورة بالغة، في مقال الأسبوع الماضي أشرت إلي الفروق الشاسعة بين البلاد النامية عامة ومصر خاصة وبين البلاد التي استقرت أمورها الاجتماعية والسياسية وأصبح لديها بنية تشريعية وقانونية وممارسات مستقرة تمنع الكثير من الآثار السلبية لمثل هذه الاحتكارات الاعلامية.
اليوم أتوقف أمام عنصر آخر يضاف إلي ما سبق الاشارة إليه. لا ينكر منصف أن «الوعي السياسي» لغالبية الشعب المصري لم يزل في حالة سيولة، ويتشكل هذا الوعي هذه الأيام معتمدا علي وسائل الإعلام في كثير من الأحيان. فالقراءة المعمقة والقدرة علي فرز ما تبثه وسائل الإعلام واكتشاف المغالطات، هذه القدرة تحتاج إلي وقت غير قليل لتمتلكها الغالبية من الشعب المصري.
ولا ينكر منصف أيضاً أن الشعب المصري حُرم لفترات طويلة من ممارسة العمل السياسي ومن «الإعلام الحر» الذي يشكل الوعي السياسي لدي الجماهير.
والمؤسف أن هذه الحالة لا تقتصر علي الجماهير التي لم تنل حظاً من التعليم، بل تجاوزت «الأمية السياسية»، بل «والأمية المعرفية عامة» تجاوزت الفئات التي لم تنل حظاً من التعليم لنجدها ماثلة في قطاعات من الشعب المصري نالت حظاً موفوراً من التعليم العالي؟!
في مثل هذا المناخ تصبح خطورة التكتلات الإعلامية خطراً داهماً فهذه التكتلات الإعلامية تتشكل لتكون الذراع الإعلامية لرجال الأعمال. ومن الطبيعي في بلاد نامية مثل مصر أن تتعارض مصالح هذه الفئة من رجال الأعمال مع مصالح الأغلبية الساحقة من الشعب المصري.
وإذا كنا نشكو جميعاً من الآثار الكارثية للدراما المصرية التي تروج لكل القيم المنحطة والسلوكيات الشاذة، فالأمر هنا واضح ولا مجال لأن نتصور أن مثل هذه الأعمال هي مجرد تصرفات فردية لمنتجين، لكنها في واقع الأمر «سياسة» تتبعها بوعي كامل فضائيات رجال الأعمال هؤلاء.
والقصد من ذلك هو تشكيل الاتجاهات السلوكية والفكرية للشباب في اتجاه تدمير كل القيم الأخلاقية والاجتماعية لدي الجماهير لتصبح هذه الجماهير «قطيعاً» تقوده شهواته الدنيا ويستسلم لكل الغوايات والمغالطات التي تروجها هذه المؤسسات الإعلامية.
وتهدف هذه التكتلات الإعلامية إلي القضاء علي ما تبقي من تأثير لإعلام الدولة وذلك باتجاهين الأول: الهجوم المستمر علي اعلام الدولة ووصفه باستمرار بأنه اعلام «فاشل» وأن الجماهير قد انصرفت عن متابعته.
ورغم أن إعلام الدولة يعاني فعلاً من أزمات كثيرة إلا أن المنطق السليم والحس الوطني السليم يحتم على الدولة دعمه ليؤدي رسالته.
الثاني: المبالغة في الإنفاق علي المنتج الاعلامي وتحمل خسائر كل عام بمئات الملايين من الجنيهات حتي يخرج من الساحة كل من يحاول أن يتشبث بتقديم إعلام هدفه المصلحة العليا للجماهير العريضة، وقد تحقق هذا بالفعل بدرجة كبيرة.
ثالثاً: تقديم أنماط مبتذلة من الخطاب الإعلامي بطريقة مركزة حتي تعتاد الجماهير علي هذا النمط من الخطاب وهو في حد ذاته خطاب يدمر كل القيم التي تحفظ تماسك الشعب.
يبقي أن أؤكد بضمير مستريح أن هذه التكتلات الإعلامية هي الخطر الداهم الذي يتعرض له الشعب المصري هذه الأيام.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض