يتغنى الجميع فى عالمنا اليوم بأن الحرب الباردة ذهبت إلى غير رجعة، ولكن ما يحدث فى سوريا الآن يؤكد أننا أمام مرحلة أخطر بكثير من تلك الحرب، فسباق التسلّح بين موسكو وواشنطن يلوح بين الحين والآخر في الأفق.. والرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلنها صراحة منذ فترة ليست بالطويلة أنه يعزز الترسانة النووية الروسية بأسلحة ثقيلة وصواريخ باليستية ونووية على الحدود الغربية لروسيا.
ولا ينفصل تصاعد التوتر بين موسكو وواشنطن منذ تفجير أزمة أوكرانيا عن الصراع المحتدم بين الطرفين حول كل القضايا الأخرى لا سيما في الشرق الأوسط، لكن هذا التوتر ومنذ توجّه الإدارة الأمريكية إلى عسكرة دول شرق أوروبا المحاذية للحدود الروسية، بدأ يتّخذ منحى بالغ الخطورة على الأمن والسلم العالميين.
ولا أحد ينكر نيّة واشنطن فى نشر أسلحة ثقيلة على الحدود الغربية لروسيا بينها صواريخ باليستية ونووية وهناك صحف أمريكية تحدّثت عن هذا الأمر، عن قواعد في بولندا، في ليتوانيا.. الامريكان يرددون أن القوات الروسية التقليدية كبيرة من حيث العدد، لكنها متقادمة وتفتقد الدقة في التصويب وتفتقد كذلك مرونة الحركة ويمكن اعتراض تحركاتها عبر التقدّم التكنولوجي العسكري المتاح على مستوى الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها وأنها متخلفة تكنولوجيّا بالنسبة للقوات التقليدية.
وهذا بالطبع نوع من الحرب الإعلامية النفسية التى تلعبها عن جدارة أمريكا دائماً فالجميع يعلم أن روسيا تتّخذ التدابير الحاسمة، والشعب الروسي والشارع الروسي يفهم موقف بوتين هذا، وكلما زاد الضغط الأمريكي على بوتين والقيادة الروسية سيجدون دعماً أكبر في الصفوف الشعبية وفي الشارع الروسي، فالتصرفات الأمريكية في الشرق الأوسط، وفي أوكرانيا، في أفغانستان، في إيران، تؤدى الى حالة التلاحم بين القيادة الروسية والشعب.. وروسيا عادت لتفتح بقوة أبوابها للشرق.
وهذا يعني أنها لا تهيّئ نفسها لأجواء الحرب الباردة الجديدة فهم لن يعودوا إليها، ولكنها تتجه إلى تماس عسكري قد يُشعل حرباً بلا هوادة، فاليمن يحترق جزئيا بسبب مساعدة روسيا لإيران، وسوريا ساحة لحرب عالمية مصغرة، والشرق الأوسط برمّته يشتعل من مختلف الجهات، وما يجري في المنطقة من توتّرات يظهر فيه إلى جانب الصراع الأزلى بين أمريكا وروسيا الشبح الصهيونى، بسبب دعم واشنطن لإسرائيل مثلاً في حربها على لبنان سابقاً وعلى الفلسطينيين، وللأسف أن اشتعال الموقف بين الاثنين مقلق للغاية، فنحن اليوم من ناحية تكنولوجية نختلف تماماً عن أيام الحرب الباردة.
اليوم السلاح المعاصر، سلاح ليس صواريخ فقط، هناك تكنولوجيات معاصرة أشد خطورة، والموقف بدأ فى التأزم منذ ظهور الأسلحة الأمريكية الثقيلة بما في ذلك من دبابات ومنظومات مدفعية ومعدّات قتالية أخرى في دول أوروبا الشرقية والبلطيق وهى بالنسبة لروسيا الخطوة الأكثر عدوانية من قِبل البنتاجون والناتو منذ انتهاء الحرب الباردة في القرن الماضي.. لذلك قامت روسيا بتهريب وتسريب الرؤوس النووية، واشتعل الموقف مع الصراع الدائر بينهما فى الملف السوري، وملفات الشرق الأوسط، وأيضا الملف الأوكراني الذي يبدو أنه هو القشّة التي قصمت ظهر البعير كما نقول في المثل العربي، طبعاً قضية أوكرانيا بالتحديد تأثيرها اقوى من الملفات الأخرى، وطبعاً التوتر والتهديدات المتبادلة بين موسكو وواشنطن أعادت تسليط الضوء على أماكن انتشار القواعد العسكرية وقواعد الدرع الصاروخية الأمريكية في أوروبا أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية بداية العام الجاري عزمها خفض عدد القواعد العسكرية الموجودة داخل أراضي الدول الأوروبية من 67 قاعدة إلى 52.
ولكن هناك القواعد التي لا تزال عاملة في أوروبا في حال اندلاع حرب محتملة بين موسكو وواشنطن، في ألمانيا قاعدة رامشتاين الجوية، تقع في جنوب غرب البلاد، تمثّل مركز القيادة الخاص بقوّات الولايات المتحدة في أوروبا وأفريقيا، في ألمانيا نحو 17 قاعدة أمريكية أخرى، فيما توجد نحو 60 منشأة عسكرية أمريكية على الأراضي الألمانية يعمل فيها نحو 30 ألف شخص، توجد في إيطاليا القاعدة الرئيسية لسفن الولايات المتحدة في البحر المتوسط، توجد القواعد البحرية في كل من نابولي ولامادالينا وغيتا، هناك أكثر من مائة منشأة عسكرية أمريكية في إيطاليا يوجد فيها نحو 23 ألف شخص.. أمّا في بريطانيا فيتمركز نحو 11 ألف جندي أمريكي في قواعد عدة أبرزها: قاعدة كومبري الجوية، قاعدة لاكنهيث الجوية، قاعدة مانويثهيل الجوية، وقاعدة ملدنهول الجوية، في هولندا قاعدة فولكل الجوية، وهي قاعدة مشتركة بين القوات الملكية الهولندية والقوات الأمريكية، بينما تضم اليونان ثلاث منشآت عسكرية، وتستضيف البرتغال قاعدة لاجيس الجوية، يعمل فيها نحو 170 عسكرياً أمريكياً.
تضاف إلى هذه القواعد قواعد عسكرية أمريكية أخرى في بلجيكا، بلغاريا، تركيا، كوسوفو، وجرينلاند.. كذلك نشرت الولايات المتحدة قواعد لمنظومة الدرع الصاروخية في بعض دول حلف شمال الأطلنطي مثل تركيا وتشيكيا، كما أقامت قاعدة جوية في غرب بولندا، وتعمل على بناء قواعد صواريخ في رومانيا والبرتغال وإسبانيا، وهو ما تراه روسيا تهديدا لأمنها القومي.
على الجانب الآخر الرئيس بوتين يتكلم دائماً عن السلاح الروسي المتطور، عن صواريخ إسكندر، والمنظومات العسكرية المستحدثة التي ستُسلَّم إلى الجيش، ورغم أن هناك مَن يتّهم واشنطن بأنها هي التي تسعى إلى عدم إحلال السلام، لكن إذا ذهبنا إلى أرض الواقع سنجد أن هناك تعادلاً بين الجبهتين لاستعراض القوى، ولكن الخوف من انفراط العقد ليتحول الاستعراض الى حرب لا يحمد عقباها على الجنس البشرى بأكمله.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض