مكلمخانة
حكي أستاذنا الراحل يحيي حقي في كتابه الجميل «خليها علي الله» أنه أثناء عمله بالنيابة في أحد أقاليم مصر صادفته علاقة صداقة حميمة بين اثنين من الموظفين العاملين في نفس الاقليم، فكان من النادر لأحد أن يصادف أياً من الموظفين بمفرده دون الآخر!، هما يجتمعان بزمالة العمل معظم النهار، ثم ينصرفان ليقضيا باقي اليوم في سمر ومؤانسة حتي منتصف الليل، ويلبيان الدعوة إلي أي مناسبة إذا اتفقا علي الحضور، ولم يكن يتعشم أحد في تلبية أي منهما لدعوة منفرداً، بل كان المعلوم سلفاً أن يحمل أحدهما الدعوة والمفهوم ضمناً انها موجهة للاثنين، ويمضي يحيي حقي في حكيه عن الاثنين فيذكر انه قد فوجئ ذات يوم بأحدهما وحده مما أثار استغراب الذين يعرفون ما بين الاثنين من الصداقة الوطيدة، وأحب يحيي حقي أن يعرف بنفسه أسباب ظهور هذا منفرداً بدون صديقه، وما أن سأله مداعباً عن السبب في ذلك حتي انطلق هذا منفجراً في مواجهة «يحيي» بالإجابة!، وإذا به يكيل لصديقه- سابقاً- سيلاً من الشتائم التي تنفي أي معرفة سابقة بينهما!، وقد حاول يحيي حقي أن يتحري أسباب الخلاف، فإذا بهذا يخرج نوتة صغيرة من جيبه ويلوح بها في وجه يحيي حقي مؤكداً أن هذه النوتة بها رصد دقيق لكل انحرافات صاحبه وصديقه وزميله في العمل!، وكان واضحاً عندما قرأ علي يحيي حقي بعضاً مما سجله بالتاريخ واليوم والساعة ما كان قد ارتكبه الصديق السابق من تجاوزات!، ويبدي يحيي حقي اندهاشه الشديد من الأخلاقيات التي سارت بها وعليها صداقة الرجلين!، ولا يخفي يحيي حقي انزعاجه من مثل هذا المستوي من العلاقات!، ويؤكد في نهاية حكايته خوفه من مثل هذه النماذج البشرية، ويتساءل قبل أن يتم حكايته عما إذا كان هذا الذي كان يتحدث إليه يحتفظ له- أي لـ«يحيي» نفسه- بأجندة مماثلة قد سجل فيها ما يريد عنه من المطاعن المختلقة!
تذكرت هذه الحكاية التي رواها يحيي حقي في كتابه، وأنا أتابع «وصلات» ملاسنات ومشاجرات كلامية بين البعض من الإعلاميين العاملين في الفضائيات!، فلم يفتأ أحدهما أن يهدد زميلاً له بأنه سوف «يفضحه» إذا لم يتوقف عن انتقاده!، وأن لديه الكثير مما يدخره له من المساوئ والمطاعن إذا لم يخرس هذا الزميل علي الفور!، ولم يكتف المتحدث علي الشاشة بذلك، حيث خصومه كثر وهو يدخر لهم الكثير مما يماثل الذي ادخره للزميل الذي بدأ بتحذيره الحديث!، حتي انه قد جعل من كلامه الموجه إلي بقية «الزملاء والأعداء» تهديدات سافرة بأن احتفاظه بأسرارهم يجعله مستعداً للإجهاز عليهم في أي لحظة!، وما لم يتوقفوا عن الخوض في سيرته فإنه سوف يعاجلهم بما لا يتصورون انه يعرفه عنهم!، مما يجعلني في دهشة مثل دهشة الراحل يحيي حقي عن حرص الزملاء والأصدقاء علي تسجيل سقطات بعضهم البعض وادخارها لوقت اللزوم!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض