مكلمخانة
يلاحظ الذى يتأمل فى الفساد الذى استشرى فى مصر فضرب فى كل أنحائها بمعوله الشرس أن تعاقب العهود السياسية على مصر منذ 1952 وحتى الآن لم تخف فى أى من هذه العهود حدة الفساد أو اختفت أنيابه!، وإن كان الانصاف يقتضى أن نسجل أن بدايات سلطة ثورة 23 يوليو وحتى نهاية حكم عبدالناصر كان الفساد لا يملك الجرأة ليطل بوجهه القبيح فى مصر!، بل كان بعض الفسدة يتسترون ببعض الحياء على ما يفعلون!، وأتذكر أن بعضا من «الفاسدين» تم لهم بعد ضبطهم «التجريس» اللازم فى وسائل الإعلام المصرية التى عرفها هذا العهد!، وفى وقائع كان طابع الفساد فيها دائرًا فى فلك بضعة ألوف من الجنيهات كانت يضبط أصحابها من المرتشين أو الفاسدين بوجه عام فى قضايا تلبس بتلقى أموال الرشاوى وهدايا الفساد، ولكن أحدا لم يكن يتخيل من المجاملين لى والذين عاشوا عهود ثورة يوليو على تعاقبها من عبدالناصر إلى أنور السادات حتى آخر حاكم فى سلالة يوليو وأطولهم فى كرسى الحكم عمرا أن الفساد يمكن أن يكون على هذه الشراسة والاستشراء خلال مرحلة حكم الرئيسين الأخيرين!، وظنى - أو على قدر معلوماتى المتواضعة - أن من الأسباب التى أدت إلى ذلك تركيز سلطات كثيرة ومتشعبة فى أيدى القائمين على أبسط الأمور وأكبرها شأنا فيما يسمى بالحكم المحلى!، والذى استطيع أن أقرره بضمير خالص أن الفساد خلال المرحلتين الأخيرتين من مراحل حكم يوليو 1952 قد «هد حيل مصر» بلا مبالغة!، وقد استأثرت أجهزة الحكم المحلى - خاصة المختصة بخدمات الناس - بالجانب الأكبر منه!، والقدرة على الصمود والبقاء العاتى فى وجه كل المحاولات التى بذلت - جادة أو غير جادة - للقضاء على منظومة الفساد القابعة فى محليات الخدمات!.
لذلك كانت قراءتى أمس لما نشرته الصحف عن قانون الإدارة المحلية الجديد، وقد تفضل السيد وزير التنمية المحلية عادل لبيب بالتأكيد على «أن أهم المحاور فى القانون الجديد محاربة الفساد وتجفيف منابعه، ومنح سلطات واسعة للمحافظين، وتشكيل لجان للتفتيش والمراقبة، واختيار أعضاء المجالس المحلية بالانتخاب المباشر»، وقد طالعت بعضا من الشروح والايضاحات التى أوردها عادل لبيب وقد أشار فى مستهل تصريحاته إلى «أن القيادة السياسية نبهت منذ الوهلة الأولى إلى أن الجهود المبذولة لتحقيق التنمية الشاملة اضافة إلى المشاريع العملاقة التى يتم تنفيذها فى ربوع مصر لا مكان للفساد فيها من أجل مستقبل وطننا وأبناء الشعب المخلصين، كما أن القضاء على الفساد أمر أملته الظروف التى نعيشها ويحتاج إلى تضافر كل الجهود»، فإذا «كان الفساد قد هد حيل مصر» كما قلت آنفا!، فإننى أتصور أن سحق منظومة الفساد فى أجهزة الحكم المحلى وإداراته المختلفة، والتى تتعلق أعمالها بالخدمات التى تشكل حياة المواطنين لا يجب أن تظل متروكة فى هيئة شبه مطلقة يتصرف فيها الذين يقومون على هذه الإدارات والأجهزة من صغار الموظفين إلى كبارهم!، فلا يمكن تجاهل أن هذه «اليد المحلية المطلقة» قد شبعت فسادا وعبثا إلى الحد الذى جعل لمصر حجما مهولا من التعديات على الأراضى الزراعية بالبناء عليها دون أن يعبأ الذين يفعلون ذلك بالقانون الذى يمنع ذلك ويجرمه!، ونحن نعرف أن الذين يتعدون على الأراضى الزراعية بالبناء إنما هم ينفذون إلى رغباتهم الشيطانية هذه بسلطان «المحليين» الذين يغضون البصر عن كل ذلك!، ونضيف إلى مكاسب الفساد فى المحليات مخالفات القانون بالتعدى على النيل وردم أجزاء منه!، ثم اختراق القانون باصطناع أبراج شاهقة عشوائية الارتفاع والموقع!، وكأن لا أحد فى المحليات رآها وهى ترتفع حتى منتهاها!، فلا يبقى عندى ومنى إلا أن يفلح القانون الجديد فى تخفيف - لا تجفيف - الفساد، لعل وعسى!.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض