مكلمخانة
لا أجد وجهًا لعقاب لى على الذين يضطرون للحياة تحت وطأة حالة «نفاقية» مستقرة يضطرون لها، وقد ارتبطت بظروف لقمة عيشهم دون بدائل تعينهم على هذا العيش!، بل أرثى دائمًا لأحوال هؤلاء وأراهم ضحايا للحالة «النفاقية» وقد أصبحت لزوم ما يلزم لاستمرار حياتهم، ولست أرى فى نفسى غير أننى من الساخرين الذين تتسم سخريتهم بالقسوة الشديدة عندما أراها العقاب الذى أملكه ولا أملك غيره للذين أضبطهم متلبسين بنفاق دون حاجة بهم إلى ذلك!، بل عندما أرى بعضهم يتطوع بإبداء النفاق تلقائيًا دون أن يتدبر فيما ينويه قبل مبادرته بالنفاق، وقد امتد بى العمر لمعاصرة أصحاب حالات نفاقية من النوع الذى يدعونى بإلحاح إلى السخرية الموجعة والإيلام، ولكن متابعتى لهذا الصنف من المنافقين أجهدنى إلى أن أصبحت أتهرب من المناسبات والمصادفات التى توقعنى فى فخاخ أصحاب «الوصلات» النفاقية الموجبة لسخريتى الموجعة!، لتبقى فى جعبتى على سبيل التذكار دائمًا بعض من النوادر النفاقية الصارخة التى بقيت محفورة لا يذهب بها الزمن، اللهم إلا إذا استجدت فوقها نوادر جديدة.
لست أهدف إذا حكيت لكم بعضًا من نوادر النفاق أن أسرى عنكم، وقد يأتى هذا عن غير قصد يؤدى إليه السياق، إنما أرجو أن يجد بعضنا العبرة فيما شهده تاريخنا النفاقى من وقائع وأحوال، ويحسن بى أن أبدأ معكم بواقعة تنتهى إلى ميدان «النفاق الرئاسى» الذى لم تتوقف إبداعاته فى أى وقت مضى أو قادم، فعندما أراد أحد الزملاء الصحفيين أن يثبت كفاءته عند توليه رئاسة تحرير إحدى الصحف المعارضة، رأى أن من الأوفق أن يبدأ بنشر «وصلة» نفاق رئاسية من إبداعه الخالص، فنشر فى الصفحة الأولى لجريدته أن نجلى رئيس الدولة قصدا إلى مكتب شركة الطيران الوطنية يطلبان حجز تذكرتين للسفر إلى إحدى العواصم الأوروبية، ولكن المكتب اعتذر عن حجز التذاكر حيث جميع المقاعد محجوزة فى موعد السفر المطلوب، وقد تدبر مدير المكتب الأمر فوجد أن من المناسب استئذان الرئاسة فى تأجيل موعد سفر النجلين، فلما علم الرئيس بالواقعة شدد بالتوجيه والتنبيه على المكتب بأن يؤجل السفر المطلوب إلى أى موعد يراه مناسبًا لقطع التذكرتين!، فلما ظهرت الجريدة فى صباح يوم صدورها حاملة وقائع الموضوع الذى يدلل على أن الناس سواسية أمام الرئيس ومنهم الأنجال، وهذا بالضبط ما تطوع به رئيس التحرير لنفاق الرئيس، ولم تعر الرئاسة ولا رئيسها الجريدة انتباهًا، بل بادرت الرئاسة فى صفحة أولى لواحدة من صحف الدولة الأوسع انتشارًا تكذب الواقعة المنشورة فى الصحيفة المعارضة جملة وتفصيلاً، بل أكدت أن نجلى الرئيس خارج البلاد بالفعل ومنذ أسابيع!، وقد صارت الحكاية كلها مثلاً فاقعًا على التطوع بالنفاق، والاختلاق، وانتظر بعض الطيبين أن تبادر جريدة نشر هذا النفاق أن تبرر موقفها بأى شكل، ولكنها التزمت الصمت تمامًا وكأن الموضوع لم يخصها فى قليل أو كثير!، لكن الواقعة لم تنته بالنشر أو تكذيب ما نشر!، بل أخبرنى أحدهم من العاملين فى الرئاسة وكان مدعوًا مثلى لمناسبة سعيدة أن الدرس الذى أحب الرئيس أن يلقنه لمن نافقه أنه لم يستأذن قبل أن ينافق!، ففهمت أن للنفاق أصولاً مرعية عند الرؤساء!، وأول هذه الأصول أن تستأذن أولاً لكى تنافق!، ما دمت لم يطلب منك القيام بهذه المهمة، فليس نفاق علية القوم «سداح مداح»!.
ولما أحب أحدهم أن يقدم نصحًا لرئيس الدولة بأن يفعل كذا وكذا مما تقتضيه المصلحة العامة، إذا بآخر يرد على هذا بمقال ينهر فيه صاحب النصيحة قائلاً: ومن أخبرك بأن الرئيس فى حاجة إلى نصحك أو نصح غيرك!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض