رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

التعددية ضرورة إنسانية وحتمية حضارية (2 -2)

القس رفعت فكرى سعيد
القس رفعت فكرى سعيد

 فى مقال الأسبوع الماضى كنا قد وضعنا تعريفًا لمفهوم التسامح وذكرنا أنه يعنى قبول الآخر المغاير والإقرار بالتعددية وذكرنا أن نقيض التسامح هو التعصب، واليوم نستكمل أن الله لا يهتم كثيرًا بالذبائح والقرابين ولكنه يهتم بالعلاقة مع الإنسان الآخر، إن شريعة الله هى: أن أحب أخى فى الإنسانية قبل كل فروض الصلاة والصوم والقرابين، فما قيمة الصلوات والأصوام والطقوس وكل مظاهر العبادة إن لم تكن هناك محبة حقيقية للإنسان الآخر؟ فهناك فرق شاسع بين التدين والإيمان الحقيقي، فالتدين كثيرًا ما يركز على المظاهر الخارجية وهى أمور جميلة ومهمة، بينما الإيمان الحقيقى هو موقف أخلاقى يقدس القيم ويحترم الإنسان الآخر أيًا كان لونه أو دينه أو مذهبه، فما أسهل التعبد لله ورفع الصلوات والأصوام ولكن ما أصعب التسامح وقبول الآخر المغاير، إن الله سبحانه يريد أن يعيش البشر أسرة واحدة تربطهم رابطة المحبة، لذا فهو سبحانه لا يقبل عبادة مزيفة من قلب ممتلئ بالكراهية والتطرف والأنانية، إن العبادة الحقيقية التى تسر قلب الله هى التى تمر عبر الإنسان الآخر من خلال محبته وخدمته.

 

 وقد حرر لوك «رسالة فى التسامح» نشرها فى عام ١٦٨٩، وبها أربع عبارات مهمة، هى: «ليس من حق أحد أن يقتحم باسم الدين، الحقوق المدنية والأمور الدنيوية»، «فن الحكم ينبغى ألا يحمل فى طياته أية معرفة عن الدين الحق»، «خلاص النفوس من شأن الله وحده»، «الله لم يفوض أحدًا فى أن يفرض على أى إنسان دينًا معينًا»، ما مغزى هذه العبارات؟ إن مغزى هذه العبارات عند لوك، أن التسامح يستلزم ألا يكون للدولة دين حتى لو كان هذا الدين، من بين الأديان الأخرى، هو دين الأغلبية لأنه لو حدث عكس ذلك، أى لو كان للدولة دين الأغلبية فتكون هذه الأغلبية طاغية بحكم طبيعة الدين، وعندئذ يمتنع التسامح بحكم أنه نسبى لأنه من إفراز العقد الاجتماعى المؤسس على العلمانية.

 

 ومنذ عام 1996 والأمم المتحدة، استنادًا إلى إعلان اليونسكو 1995، تحتفل باليوم العالمى للتسامح، الذى يعنى فيما يعنيه أن المجتمع البشرى بحاجة إلى نشر وتأصيل قيم التسامح كمنظور إنسانى وأخلاقى، لا يمكن تقدم المجتمع الدولى والإنسانى من دونه، إذ لا يمكنه الخروج من غلواء التطرف والتعصب واللا تسامح، إلا بتعميم فكرة قبول الآخر.

 

 إن التسامح لم يعد واجبًا أخلاقيًا فحسب، بل هو فريضة سياسية وقانونية فى الوقت نفسه، ولن ينعم عالمنا بالسلام الحقيقى من دون ترسيخ لمفهوم التسامح الذى أصبح وجوده حاجة ماسة وليس ترفًا فكريًا، إن التسامح يعنى اتخاذ موقف إيجابى فيه إقرار بحق الآخر فى التمتع بحقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وبهذا المعنى فهو مسئولية قيمية وواقعية للإقرار بالحقوق والتعددية والديمقراطية وحكم القانون، وهو أمر ينطوى على نبذ الاستبدادية، خصوصًا بالإقرار بحق الإنسان فى التمسك بمعتقداته، وهو إقرار ناجم عن أن البشر المختلفين فى طباعهم ومظاهرهم وأوضاعهم وسلوكهم وقيمهم وقومياتهم ودياناتهم ولغاتهم وأصولهم، لهم الحق والمساواة فى العيش بسلام، وإذا ما استعرضنا بعض العوامل المانعة لنشر قيم التسامح، فعلى الصعيد الفكرى قد يوجد حجب وتحريم حق التفكير والاعتقاد والتعبير لدى الآخر، بفرض قيود وضوابط تمنع أو تحول من دون ممارسة هذه الحقوق، وأحيانًا تنزل أحكامًا وعقوبات بالذين يتجرأون على التفكير خارج ما هو سائد أو مألوف سواءً عبر قوانين مقيدة أو ممارسات قمعية تحت مبررات شتى.

 

 وعلى الصعيد الدينى فإن عدم التسامح يعنى التمييز بحجة الأفضلية ومنع الاجتهاد وتحريم وتكفير أى رأى حر، خصوصًا ضد ما هو سائد، وأحيانًا تزداد اللوحة قتامة فى ظل الدين الواحد عبر التعصب الطائفى

أو المذهبى فى محاولة لإلغاء الفرق والمذاهب والاجتهادات الأخرى، بل فرض الهيمنة عليها بالقوة.

 

 واجتماعيًا فإن عدم التسامح يعنى فرض نمط حياة معينة بغض النظر عن التطورات العاصفة التى شهدها العالم، لأنماط متنوعة، مختلفة، متداخلة، متفاعلة، وأحيانًا يتم التشبث بسلوك وممارسات عفا عليها الزمن وأصبحت من تراث الماضى.

 

 يمكن القول إن كل المجتمعات البشرية تحمل قدرًا من اللا تسامح سلبيًا أو إيجابيًا، لكن الفرق بين مجتمع وآخر هو فى مدى اعتبار التسامح قيمة أخلاقية وقانونية ينبغى إقرارها والالتزام بها حتى وإن كان البعض لا يحبها، أما الفرق الثانى بين المجتمعات المفتوحة التى توافق على التسامح وبين المجتمعات المغلقة التى لا تزال تتمسك باللا تسامح وبتهميش أو إلغاء الآخر، فإن بعض المجتمعات تستطيع إدارة التنوع والتعددية الثقافية والدينية واللغوية والاجتماعية وغيرها، فى حين تخفق أو تعجز فيها مجتمعات أخرى، ويوجد فى العالم اليوم تعدديات وتنوعات دينية وثقافية واجتماعية.. إلخ، الأمر الذى يستوجب أن تكون الدولة هى الحاضن الأكبر للتسامح، وهو يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الأنا والآخر على أساس المواطنة والمساواة الكاملة، ومن خلال التربية والاستفادة من المخزون القيمى للأديان وللفطرة الإنسانية، وهو ما ينبغى أن ينعكس على الصعيد الدولى أيضًا.

 

 إن ما يحتاج العالم العربى أن يدركه بقوة فى هذه الأيام، أن الآخر هو جزء من حياتي، جزء من عالمى الخاص، وهو فى رقبتى على طول المدى، فلا يمكن أن أعيش من دون الآخر، ولا أستطيع حتى أن أمارس العبادة من دون الآخر، بل لا أستطيع الوصول إلى الله من دون الآخر أياً كان لونه أو دينه أو جنسه أو جنسيته أو عرقه أو معتقده.

 إن الحضارة الإنسانية ازدهرت وازدهت بالتنوع، والأحادية لم تصنع إلا أفولًا وذبولًا، لذا فكم نحتاج لأن نختلف ونأتلف، ولنتيقن أن اللحن الواحد لا يمكن أن يعطى نغمًا جميلًا، والعصفور الواحد لا يمكن أن يصنع ربيعًا، والزهرة الواحدة لا يمكن أن تصنع بستانًا!

 

 قال محيى الدين بن عربى أحد أشهر المتصوفين (25 يوليو 1165م – 8 نوفمبر 1240م)

 قد كنت قبل اليوم أنكر صاحبى.. إذا لم يكن دينى إلى دينه داني

 لقد صارَ قلـبى قابلاً كلَ صُـورةٍ.. فـمرعىً لغـــــزلانٍ ودَيرٌ لرُهبـَــــانِ

 أديـنُ بدينِ الحــــبِ أنّى توجّـهـتْ ركـائـبهُ.. فالحبُّ ديـنى وإيمانى.

 

 القس رفعت فكرى سعيد

 رئيس مجمع القاهرة الإنجيلى

 رئيس مجلس الحوار والعلاقات المسكونية بسنودس النيل الإنجيلى

 الأمين العام المشارك بمجلس كنائس الشرق الأوسط

[email protected]