الجمهورية الجديدة.. الثورة الاقتصادية والاجتماعية (3 – 5)
المواطن المصرى البطل الحقيقى فى معركة البقاء والبناء
أراهن على وعى الأمة بمصلحة مصر وعلى ثقتها فى صدق وإخلاص قيادتها
الرئيس: أسعى لرفع المعاناة عن الطبقات البسيطة والمتوسطة ورفع مستوى معيشتهم
فى الحلقة الماضية من ملف الجمهورية الجديدة، تناولنا كيف أن الجمهورية الجديدة تأسست استنادا إلى غضب ونضال جماهيرى عارم استمر عاما فى مواجهة الرئيس المعزول مرسى وجماعة الإخوان، تفجر فى ثورة شعبية شاملة فى 30 يونيو أسقطت شرعية نظام الإخوان، وأسست لشرعية الجمهورية الجديدة.
وعندما قامت ثورة 30 يونيو كانت مصر تعيش فى بحر من الاضطرابات السياسية العنيفة، يقابلها انهيار اقتصادى يوشك أن يؤدى بالبلاد إلى حالة إفلاس كامل، ناهيك أصلا عن حالة الضعف والترهل والجمود والفساد الذى كانت تعانيه مصر قبل ثورة 25 يناير والذى أصاب بنيتها التحتية وكافة مؤسسات الدولة.
ولقد كانت ملامح الانهيار الاقتصادى وغياب معايير العدالة الاجتماعية بادية للعيان، وتنذر بكارثة اجتماعية فى ظل الانخفاض الكبير فى معدلات النمو، والعجز الضخم فى الموازنة العامة المصحوب بزيادة الدين العام، وانهيار الاحتياطى النقدى، وانخفاض قيمة الجنيه المصرى، وتراجع الاستثمارات الأجنبية، والنقص الكبير فى مصادر الطاقة، إضافة لارتفاع نسبة الفقر والبطالة، وتفاقم الأزمة الغذائية، وعدم التوزيع العادل للثروة وتعاظم الفساد.
والحقيقة أن مصر كما صورها «السيسى» فى ذلك الوقت كانت تواجه استقطابا حادا، ينذر بحرب أهلية، ليس فقط بين المسلمين والمسيحيين، ولكن بين أبناء الدين الواحد، وظروفا اقتصادية متردية بسبب الديون المتراكمة داخليا وخارجيا، والعجز الضخم فى موازنة الدولة، والبطالة المتفشية بين أوساط الشباب، فى ظل سياحة متوقفة ونقص حاد فى موارد الدولة من العملات الصعبة ونزيف فى الاحتياط النقدى، وتهديد لأمننا القومى يطال وجود الأمة المصرية، وواقع اجتماعى لا يقل كارثية عن نظيريه السياسى والاقتصادى.
ولم يكن هناك مفر غير اللجوء إلى إصلاح جذرى صعب وقاس، يتسبب فى كثير من المعاناة، كما وصفه «السيسى»، فقد كانت المعاناة الناتجة عن عدم الإصلاح، أكبر وأسوأ بما لا يقاس خاصة بعد أن تم تأجيله كثيرا حتى أصبح حتميا لا اختيارا، وضرورة وليس ترفا أو رفاهية، فقد كان الإصلاح السياسى المتمثل فى إسقاط شرعية نظام الرئيس المعزول، وصدور دستور 2014، وانتخاب السيسى رئيسا للجمهورية الجديدة، غير ذى معنى إذا لم يرتقِ لمستوى الاستجابة لتطلعات الشعب الذى عانى كثيرا خلال السنوات الأخيرة.
<>
كانت مصر فى حاجة لأن تنهض من جديد وترفع عن نفسها غبار السكون بعد مرحلة من السبات العميق، وهو ما أدركه وسعى إليه السيسى عبر مشروع حضارى تنموى، يعيد لها قوتها ويؤسس كما قال لدولة القانون والحق والعدل، ويقضى على الإرهاب ويبث الأمن فى ربوعها ويصون الحقوق والحريات، من خلال اقتصاد عملاق ومشروعات وطنية ضخمة يحمى حقوق الفقراء ومحدودى الدخل وينمى المناطق المهمشة، إلى جانب منظومة قيمية وأخلاقية تكفل للفنون والآداب حرية الفكر والإبداع، تؤمن بالانفتاح وتحافظ على الهوية المصرية وطبائعنا الثقافية.
لذلك كان من الطبيعى أن تحتل القضايا ذات البعد الاقتصادى والاجتماعى أولوية مشروع الإصلاح لدى السيسى، باعتبارها ذات صلة ماسة ومباشرة باحتياجات الأمة الملحة، بعد ما عانته فى أعقاب ثورة 25 يناير من صراعات وتجاذبات سياسية مريرة مكنت الإخوان من القفز للسلطة.
وهو ذات السياق الذى لجا إليه ديجول عندما لجأت إليه فرنسا لإنقاذها من الاضطرابات السياسية وشبح الحرب الأهلية فى تأسيسه للجمهورية الخامسة، رغم ما تعرض له من هجوم شرس، فيقول فى مذكراته «الأمل»، مبينا أسباب تركيزه على القضايا الاقتصادية والاجتماعية: « وإنى أعلم ذلك عن يقين كأى شخص آخر لأننى تمكنت بفضل إصلاحات واسعة أن أنقذ البلاد من الاضطراب القاتل الذى كان يتهددها، ولأنه يترتب على اليوم أن أقوم أوضاعها وأنجيها من الوضع المؤسف الذى قادتها إليه الأحزاب. ولأننى سأشرف خلال عشر سنوات، فيما يتعلق بازدهارها، وتقدمها، ونقدها، على تحقيق فوز لا يعادله كل ما أنجز فى سبيلها، منذ نصف قرن، ولأننى سأحول بعد ردح من الزمن وفى اللحظة الأخيرة دون وقوع البلاد فى الهوة، فى الوقت الذى توجه ضد حكمى حملة حامية الوطيس، تتولاها جميع أوساط الوجهاء، ويؤازرها الخمول المرضى الذى اعتراها فجأة، وتخلى معظم المسئولين عن القيام بواجباتهم فى جميع المجالات، مما كان يؤدى بها إلى الفوضى، ولهذه الأسباب فما دمت على رأس فرنسا، وأتحمل أعباء الأمة، فى حالتى الهدوء وهبوب الإعصار، فإن القضايا الاقتصادية والاجتماعية ستظل تحتل المركز الأول من نشاطى واهتمامى».
<>
ولقد كان تأسيس هذه الجمهورية الجديدة إيذانا ببداية ما عبر عنه السيسى بأنه عقد اجتماعى جديد بينه وبين الشعب ملزم لطرفيه، بمقتضاه يلتزم السيسى بالحقيقة والمصارحة منهجا لكشف حقائق الواقع وتقاسم الاطلاع على حقيقة الأوضاع، والمشاركة فى الجهد والعرق، مقابل جنى ثمار هذ التعاون استقرارا سياسيا واستتبابا أمنيا ونموا اقتصاديا سريعا متنوعا وعدالة اجتماعية وحقوقا وحريات مكفولة للجميع.
وكانت طريقته فى العمل منذ اللحظة الأولى مصارحة الأمة بحجم التحديات والمخاطر وحقائق الأوضاع على كافة الأصعدة، موكدا أن إعادة بناء الدولة المصرية وإحداث تغير حقيقى فى حياة المصريين وأبنائهم، يستلزم من الجميع دولة وشعبًا العمل الشاق والتضحيات الجسام والإخلاص والتجرد، للوصول للهدف المنشود من خلال «التوحد حول الوطن والاصطفاف مـن أجلـه».
وما عبر عنه السيسى هو ذات ما تبناه البنك الدولى مؤخرا بدعوته دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلى ضرورة إعادة بناء العقد الاجتماعى لتحقيق التعافى الاقتصادى والسياسى بعد انقضاء جائحة كورونا، بسبب ما سماه «محدودية الفرص الاقتصادية، وتزايد أوضاع الفقر والعوز، وضعف بيئة الأعمال، ناهيك عن غياب تكافؤ الفرص».
مشيرا إلى أن تغيير العقد الاجتماعى لا يقل إلحاحا اليوم عن أى وقت مضى، ومعتبرا أن رضا الناس عن ظروف المعيشة يرتبط ارتباطا قويا بجودة الخدمات، والحرية فى اتخاذ قراراتهم المصيرية، وتصوراتهم عن الفساد والرفاهة الاقتصادية، وأن العقد الاجتماعى الجديد يجب أن يحد من الفساد ويعزز الشفافية ويتيح المزيد من الفرص الاقتصادية الشاملة للجميع ويحسنها.
ومشددا على أن الحرب الأهلية لا تؤدى إلى تحسن النواتج، وإن الثورة السياسية لا تكفل إحداث تحسينات فى العقد الاجتماعى، كما أنه من شأن تعزيز المشاركة السياسية فى عملية اتخاذ القرارات أن يحسن مستوى رضا الناس عن ظروف المعيشة.
وأشار التقرير إلى أن التغيير التدريجى فى الاستجابة لمشاعر الاستياء الشعبى ليس بديلا جذابا، كما لم تؤد ثورات «الربيع العربي» إلى نجاح يذكر، ولا إلى تحسين العقد الاجتماعى، وأن البلدان التى استجابت بإجراء إصلاحات تدريجية كانت غير ناجحة لحد كبير، لذا على البلدان أن تتبع البلدان نهجا أكثر فعالية لتحسين العقد الاجتماعى، وأن تكون الإصلاحات سريعة بدرجة كافية لإرضاء المواطنين الساخطين فى المنطقة لاسيما الشباب والنساء منهم.
<>
وهو ذات العقد المعلن بين ديجول والشعب الفرنسى الذى قرر باعتباره تولى زمام الأمر فى فرنسا ممارسة السلطة العليا فى المدى الواسع الذى تقتضيه، معتبرا أن الشعب الفرنسى: «لا يكلفنه لأنه لا يتوخى التوجه إلى الأمور اليسيرة، وإنما يقصد الجهد والتجديد، ولذلك قررت بموجب مهمتى وبالتعاون مع حكومتى أن أعيد تنظيم أعمالنا بشكل واقعى وعميق. وبمناسبة صدور الموازنة، فقد تبنينا، وسنطبق غدا مجموعة من التدابير المالية، والاقتصادية، والاجتماعية التى ستركز الأمة على قاعدة من الحقيقة والقساوة... بحيث تمر بلادنا بتجربة ولكن الإصلاح المنشود سيعوض علينا كل شيء... إننا بدون هذا الجهد وهذه التضحيات، سنبقى بلدا مهملا، مترجحا باستمرار بين المأساة والعدم، وأما إذا نجحنا فسنقطع على النقيض من ذلك، وصلة كبيرة فى الطريق التى تؤدى بنا إلى الذروة».
وأيضاً على ذات المنوال استمد السيسى رؤيته من آمال وتطلعات الشعب، مقررا أنه خياره كان «اقتحام المشكلات ومواجهة التحديات فى مسارات متوازية بهدف إيجاد حلول حقيقية لا ترتكز إلى الحلول الوقتية التى تؤدى إلى مزيد من التفاقم بعد حين».
وراهن السيسى فى نجاح مشروعه، على إيمانه كما يقول «بقدرة هذا الوطن غير المحدود وثقته المطلقة فى إرادة شعبه القوية؛ وهو ما اعتبره رهانا رابحا وإيمانا صادقا».
وهى ذات الثقة التى وضعها ديجول فى الشعب الفرنسى، معتبرا أن قدره أن يعمل «فى سبيل عظمة فرنسا فى زمن يقتضيه انحطاط الأوضاع العامة»، وانه لا مفر من ذلك مهما كانت الظروف استجابة لنداء فرنسا التى نادته من أعماقها كما حدث من قبل خلال حرب التحرير، ليكون لها مرشدا ودليلا، وليوقظها من رقادها بعد ما اعتبره «الانحطاط الرهيب الذى تعرضت له منذ أكثر من مئة عام»، وان مهمته استعادة «سطوتها وثروتها وإشعاعها، كما تقضيها عبقرية الأزمنة الحديثة، والا فستحدث يوما ما محنة مفجعة تتناسب مع حجم هذا القرن، وتقضى عليها إلى الأبد».
وقرر ديجول أن مهمته أصبحت واضحة ومحددة فى بناء الدولة وتحقيق التقدم والاستقلال، وانه سيمضى فى العمل من أجل هذه المهمة لأقصى مدة يقبل فيها الشعب أن يتبع خطواته.
<>
والحقيقة أن التحولات العظيمة فى مجتمع من المجتمعات لا يمكن أن تتحقق دون الاستناد إلى شعوب واعية وقادرة على النهوض بعبء هذه التحولات، وتحمل تبعاتها القاسية والمؤلمة أحياناً، وبالتأكيد لا يحدث ذلك دون قناعات حقيقية وإيمان راسخ بأهمية وجدوى هذه التحولات، وقد لعب المواطن المصرى دورا أساسيا فى تأسيس شرعية الجمهورية الجديدة، وفى عملية بنائها، لذلك لم يكن غريبا أن يصفه السيسى بأنه «البطل الحقيقى فى معركتنا المقدسة للبقاء والبناء»، فقد اصطف المصريون شعبا وجيشا «بوعيهم العميق وبصيرتهم النافذة»، مع الوطن فى معركته ضد الإرهاب، وانقذوا مصر من هاوية السقوط فى حرب أهلية دامية، وحافظوا على الدولة من التفكك والانقسام.
ولهذا اعتبرت الجمهورية الجديدة، عملية صياغة وبناء الإنسان المصرى أولى أولوياتها، وأحد أهم محاور العمل فـى الدولة، وهى عملية شاملة كما وصفها السيسى الشكل والمضمون، تقوم على التناغم بين البناء الجسدى والمعنوى والفكرى والثقافى عبر إطلاق استراتيجية شاملة لإصلاح وتطوير منظومة التعليم، تتوازى مع تطبيق منظومة التأمين الصحى المتكامل لتحسين الحالة الصحية العامة للمصريين، والتطوير الشامل لمراكز الشباب وقصور الثقافة الجماهيرية والربط بينهما بحيث تصبح ممارسة الرياضة والأنشطة الثقافية والفنية متاحة لجميع المصريين، وذلك عبر ضخ استثمارات حكومية ضخمة فى قطاعى التعليم والصحة.
ويعترف السيسى بأن ما تحقق اليوم فى مصر من نجاح يعود الفضل فيه للعزيمة المصرية التى تقهر الصعاب، والتى قدمت نموذجا رائعا للبذل والعطاء، لتتمكن مصر من تغيير واقعها وتجد مسارها الصحيح على طريق التنمية والتقدم بما يليق «بتاريخها وبحضارتها وبعظمة شعبها»، رغم تعاظم التحديات الداخلية والخارجية خاصةً فى ظل تداعيات جائحة «كورونا».
ويتطابق ديجول مع السيسى فى تقدير قيمة وأهمية دور الشعوب فى عملية إعادة البناء وتحمل أعبائها، فيعبر ديجول بمزيد من الاحترام عما أنجزه الشعب الفرنسى فى سبيل فرنسا على مدار عقود طويلة من الزمن، مشيرا إلى أن الفرنسيين رغم كل معاناتهم وظروفهم الاقتصادية الصعبة قادرون على الإنتاج الصناعى والزراعى بجودة وكميات تثير الإعجاب، فى ظل قدرتهم أيضاً على العمل باستمرار وانتظام رغم كل الصعاب التى يواجهونها، معتبرة أن «مرونة حياتهم الاجتماعية قد أنقذتهم من الهزات العنيفة، وان اقتصادهم ينطوى بفضل جهودهم عبر مئات السنين، على عنصرى القدرة والصلابة».
<>
والواقع وطبقا للشهادات الدولية وآخرها تقرير التنمية البشرية فى مصر 2021، والذى أطلقه برنامج الأمم المتحدة الإنمائى، يكشف أن الإصلاح الاقتصادى والذى يمضى فى طريقه قدما للأمام فى ظل ظروف تداعيات «جائحة كورونا»، يبدو كمعجزة فى اقتصاد يعانى كما أشار السيسى من «مشكلات عميقة وممتدة عبر عقود طويلة، وأن مواجهة هذه المشكلة تطلبت تنفيذ برنامج حقيقى للإصلاح الاقتصادى للتعامل مع مشكلات دولة يصل حجم سكانها إلى ١٠٠
ويزيد من صعوبة الواقع التزام الدولة بتحقيق العدالة الاجتماعية وما تحتاج إليه من موارد مالية ضخمة، ولقد كان الإصلاح وما زال بإجراءاته الصعبة خيارا حتميا لا مفر منه لتجنب مصر مخاطر كبيرة، وبدونه كما قال السيسى «لن يكون بمقدور الدولة فى المستقبل القريب الوفاء بالتزاماتها تجاه الأجور والمعاشات، ولن تستطيع الإنفاق على الخدمات العامة، كالصحة والتعليم أو المرافق كالإسكان ومياه الشرب والصرف الصحى، فى ظل عجز متزايد فى الموازنة العامة يؤدى إلى تفاقم الدين العام وعدم القدرة على سداد أقساط الديون ومن ثم الوصول إلى مرحلة الإفلاس».
ورفض السيسى قبول التقديرات التى نصحته بتأجيل قراره لعهد رئيس جديد، حفاظا على شعبيته التى اكتسبها وسط المصريين، وأقدم على اتخاذ القرار الصعب، قائلا: «اتخذت القرار لأننى لست ممن يقايضون مستقبل شعب بمصلحة شخص ولست ممن يرضون على أنفسهم ولا على وطنيتهم ولا على دينهم خداع الجماهير من أجل نيل صيحات هتاف لفرد على حساب غد أفضل لأمة»، مراهنا على وعى الأمة بمصلحة مصر، وعلى ثقتها فى صدق وإخلاص قيادتها.
ولكن الأقدار القاسية تصهر إرادة الشعوب العظيمة وتظهر اعظم معادنها الإنسانية، فديجول حينما تولى الحكم، كانت فرنسا كما يقول على حافة النكبة فى جميع المجالات، فالموازنة الخاصة بعام 1958 وصل العجز بها إلى 1200 مليار فرنك على الأقل، وتجاوز الدين الخارجى مبلغ ثلاثة مليارات دولار، يجب سداد نصفه بعد اقل من عام، وفى الميزان التجارى كانت الواردات تصل إلى 75 بالمئة من المدفوعات، ولم يكن لدى فرنسا من الاحتياطى سوى ما يعادل 630 مليون دولار من الذهب والقطع النادر، وهو ما يكفى قيمة ما تستورده فرنسا فقط لمدة خمسة أسابيع، ولم يكن بإمكانه سوى اقتراض مبلغ 500 مليون دولار فقط من صندوق النقد الدولى والمصارف الدولية، ولكن كما يقول ديجول مقابل كثير من التضحيات تمكنت فرنسا من استعادة توازنها، وان تدخل بإرادتها باب المنافسة مع الدول الكبرى الحديثة.
<>
ومع ذلك نجحت الجمهورية الجديدة فى التخفيف من أعباء آثار الإصلاح الاقتصادى على المواطن المصرى، من خلال حزمة متعددة من إجراءات الحماية الاجتماعية للطبقات الأكثر تضررا، وبأقصى ما يمكن أن تتحمله الموازنة العامة للبلاد.
وكما عرض لها السيسى فى العديد من المناسبات، شملت إجراءات الحماية الاجتماعية زيادة الأجور بعلاوات خاصة وعلاوة غلاء بجانب العلاوة الدورية، قرار زيادة الحد الأدنى للأجور إلى 2700 جنيه مصرى، بتكلفة 45 مليار جنيه فى عام 2022، لتصل نسبة الارتفاع إلى 125% منذ 2014 وحتى الآن، بالإضافة لزيادة المعاشات بنسبة 14٪ ليصل الحد الأدنى إلى 910 جنيهات ابتداء من يوليو الماضى، وزيادة الحد الأدنى لمعاش تكافل وكرامة إلى 900، وتستفيد منه 3.8 مليون أسرة تشمل 14.3 مليون فرد بنسبة زيادة تبلغ 125%، وزادت التكلفة من 3.7 مليار جنيه لتصل إلى 20 مليار جنيه بنسبة زيادة تصل إلى 500%.
كما زادت نسبة التمويل متناهى الصغر من 174 مليون جنيه لتصل إلى1.4 مليار جنيه مصرى، وارتفعت أعداد المشروعات من 58 ألف مشروع حتى وصل إلى 370 ألف مشروع، بإجمالى مستفيدين يتخطى 1.65 مليون مستفيد، ومنتظر أن تصل إلى 500 ألف مشروع بنهاية عام 2024.
وتتضمن الموازنة الجديدة تخصيص ٣٢١ مليار جنيه لباب الدعم، منها: 87.2 مليار جنيه لدعم السلع التموينية، و١٩ مليار جنيه للمعاشات الضمانية وبرنامج «تكافل وكرامة»، وتخصيص ٧ مليارات جنيه لعلاج المواطنين على نفقة الدولة، ومد مظلة منظومة التأمين الصحى الشامل لمحافظات الأقصر وأسوان والإسماعيلية والسويس وجنوب سيناء، و 7.8 مليار جنيه للدعم النقدى ودعم المرافق للإسكان الاجتماعي.
وتمت زيادة مخصصات التموين للفرد فى الأسرة المستفيدة ابتداء من يوليو الماضى، ليرتفع نصيب الفرد من ٢١ جنيها إلى ٥٠ جنيها، وكان المخصص للفرد منذ ٤ سنوات لا يتجاوز ١٥ جنيها، بتكلفة دعم وصلت إلى 50 مليار جنيه لدعم رغيف العيش، كما تم رفع حد الإعفاء الضريبى إلى 9000 جنيه سنويًا وهو ما يعنى زيادة أخرى فى دخل الفرد.
بالإضافة إلى توصيل مياه الشرب النقية إلى ٩٦٪ من الأسر المصرية فى كل أرجاء البلاد، مد خدمة الصرف الصحى لتغطى 96% من سكان المدن و40% من سكان القرى وكانت لا تتجاوز 10% عام 2014.
كما أطلق السيسى مبادرة «100 مليون صحة» للقضاء على فيروس سى والكشف عن الأمراض غير السارية لأكثر من 50 مليون مواطن مصرى، وكان الإنجاز الأهم وهو القضاء على وبـاء «فـيروس سي»، وهو إنجاز ضخم للغاية، حيث تم علاج حوالى 3 ملايين مصاب منذ 2014 من أصل 4.5 مليون مصاب وكانت التكلفة الخاصة بعلاجه تقدر سنويا تقدر بحوالى 400 مليون دولار.
بالإضافة إلى مبادرة «حياة كريمة» التى أطلقها السيسى فى عام ،٢٠١٩ لتحسين مستوى الحياة للفئات المجتمعية الأكثر احتياجا على مستوى الدولة خلال، كما تسهم فى الارتقاء بمستوى الخدمات اليومية المقدمة للمواطنين الأكثر احتياجا وبخاصة فى القرى، كما تتضمن تقديم الرعاية الصحية الخدمات الطبية والعمليات الجراحية، وصرف أجهزة تعويضية، فضلًا عن تنمية القرى الأكثر احتياجًا وفقًا لخريطة الفقر، وتوفير فرص عمل بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة فى القرى والمناطق الأكثر احتياجا، وتجهيز الفتيات اليتيمات للزواج ورفع كاهل المعاناة عن الأسر الفقيرة، وبدأت المبادرة باختيار 277 قرية تتجاوز نسبة الفقر فيها 70%، وتم رصد مبلغ 103 مليارات جنيه للتنفيذ.
ورغم كل هذه الإجراءات الحمائية لتخفيف آثار الإصلاح الاقتصادى وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلا أن السيسى كان يؤكد دوما إدراكه لما تعانيه الطبقات البسيطة والمتوسطة من أعباء معيشية، ويعبر عن سعيه للتخفيف عنهم ورفع مستوى معيشتهم.
إن عملية الإصلاح التى قطعنا فيها شوطًا كبيرًا بدأت تتفتح بشائرها وتلوح نتائجها من خلال مؤشرات اقتصادية طيبة، وتقارير إيجابية للمؤسسات الدولية تظهر انخفاض نسبة البطالة ومعدلات التضخم، وتؤكد ارتفاع معدل النمو إلى حدود ٥٪ بحلول نهاية العام المالى الحالى.
والحقيقة أن فى كل تجارب التنمية والإصلاح الاقتصادى عادة ما يتحمل عبء الخطوات الفئات الأكثر فقرا، لذلك تسعى الدول إلى تخفيف هذه الآثار، من خلال توفير قدر كبير لهم من إجراءات الحماية الاجتماعية.
ولا تختلف فى ذلك الدول المتقدمة أو النامية أو الأكثر نموا مثل مصر، فيشير ديجول إلى أن تجدد فرنسا بحاجة لقاعدة متينة تبنى عليها عظمتها، من خلال تنظيم أوضاعها المالية والاقتصادية بشكل واسع وعميق، ويعترف بأن ذلك امر مكلف لجميع الفئات، ولا سيما الطبقة المتواضعة، فيقول فى مذكراته: «إننى أعلم أن المشاة هم الذين يربحون دائما الحروب، وأعلم أن عظمة فرنسا لم تتم أبدا إلا عن طريق جماهير أبنائها ورغم المكاره التى عاناها الكثيرون، رغم ما قبل به العمال، والمزارعون، والتجار، والبورجوازيون، والمستخدمون، والموظفون، وكثير من المحاربين القدماء، فإنه لواضح وضح النهار، أن الشعب الفرنسى يرغب فى تجنب الفوضى، والتضخم، والتسول».
ويعتبر ديجول أن الجمهورية الخامسة التى أسسها بذلت فى المجالين الاقتصادى والاجتماعى جهدا أكثر مما فعلته كافة العهود السابقة، لأن هدفها كان انقاذ البلاد من الوضع الخطير الذى كانت تواجهه وكاد يؤدى لانهيارها هى نفسها، وان فرنسا لم تشهد فى أى عهد ما تم فى عهده من إنجازات فى مجالات الإنتاج والبناء والتعمير.
وان كان يعترف بأن هذه الإنجازات تحتوى على كثير من الشوائب والثغرات، وهو امر طبيعى نظرا لحجم الجهود الجبارة التى بذلت، ولكنه يرفض أن يكون كصياد سمك شكسبير، الذى "إذا وجد لؤلؤة انتابه الرعب من جمالها وألقاها ثانية فى البحر».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض