صواريخ
عانت القاهرة لسنوات من ظاهرة العشوائيات، بكل ما تحمله من مخاطر، واستفحلت الظاهرة وانتشرت لتحاصر العاصمة من اتجاهات عدة، وتسربت إلى داخل بعض الأحياء الحضرية لتطمس معها الوجه الحضارى للقاهرة التى تغردت به قبل قرن من الزمان.. مخاطر الظاهرة لم تتوقف عند حد استنزاف موارد الدولة والضغط السكانى العشوائى وإصابة العاصمة بالشلل، وكل أشكال القبح والتلوث السمعى والبصرى، وانتهاك الأماكن التاريخية والتراثية، وإنما أنتجت ظواهر سلبية أخطر داخل المناطق العشوائية، منها شرائح المتطرفين والبلطجية والخارجين على القانون التى استغلتها ووظفتها الجماعات الإرهابية، وتحولت بعض الأماكن إلى حصون لهذه الجماعات، وعندما تنبهت الدولة لمخاطر الظاهرة بعد موجة الإرهاب الأسود فى تسعينيات القرن الماضى، وبدأت فى محاصرة الظاهرة بهدف تجفيف منابع الإرهاب ووضع هذه المناطق تحت السيطرة الأمنية، وإعادة تطوير وتأهيل بعض المناطق بعشرات المليارات بهدف إخضاعها لمؤسسات الدولة، لم تأخذ فى الحسبان استعادة القاهرة لوجهها الحضارى والقضاء تمامًا على كل أشكال العشوائيات.
قبل عشر سنوات وضعت الدولة خطة شاملة لنهضة عمرانية وحضارية، تنتقل بها مصر إلى الجمهورية الجديدة بكل ما تحمله من حداثة وتطور، كان من بينها وضع حلول جذرية لعاصمة مصر التاريخية، من خلال إنشاء عاصمة إدارية تحتضن الوزارات والهيئات والمؤسسات الحكومية وغيرها من المبانى الإدارية، بهدف تفريغ القاهرة التاريخية وإعادة تأهيلها من جديد على غرار المدن التاريخية القديمة فى أوروبا مثل روما وباريس ولندن.. والحقيقة أن الحكومة حققت نقلة نوعية كبيرة فى هذا الجانب، ليس فقط من خلال إنشاء طرق ومحاور وشوارع جديدة وإنما فى مشروعات ضخمة لإعادة تخطيط وتأهيل مناطق بكاملها وتحويلها إلى مناطق حضارية مثل منطقة الفسطاط وسور مجرى العيون بكل محيطه السكانى ومناطق بالقاهرة الخديوية والفاطمية، وبالتوازى مع رفع كفاءة كثير من الأحياء القديمة والحديثة.. لكن تبقى المعضلة المصرية فى طمس كل تلك الجهود وتشويه الصورة الجمالية للعاصمة وتكمن تحديدًا فى أجهزة الإدارة المحلية التى ما زالت تعمل بنفس الطرق البالية القديمة سواء فى مخالفات التراخيص والإشغالات والمتابعة وغيرها من جوانب العمل التنظيمى التى أدت إلى استمرار فوضى الشوارع واحتلال الأرصفة واشغالها بالباعة الجائلين وأصحاب المحلات تحت أعين وبصر ومباركة أجهزة المحليات!!
وتأتى الظاهرة الأكثر انتشارًا واستفحالاً فى السنوات الأخيرة، وهى غزو- التوكتوك- الذى بات يشكل أكبر عملية فوضى للشوارع المصرية ليس فقط فى المدن والأحياء الشعبية، وإنما امتد إلى قلب الأحياء الحضرية داخل القاهرة وأصبح يسهم فى مخاطر كثيرة ونشر الجريمة بخلاف عملية الفوضى المرورية والتلوث السمعى والبصرى فى ظل عدم خضوعه لأى قواعد تنظيمية سواء كانت من إدارات المرور أو المحليات، ما جعل قيادته عبثية لصبية صغار السن وبعض الخارجين عن القانون لنشر الفوضى فى أبلغ صورها، وإهدار كل جهود ومقدرات الدولة فى عمليات التطوير والتحديث لاستعادة الوجه الحضارى للقاهرة.. الأمر بات فى حاجة إلى قرارات سيادية من مجلس الوزراء تلزم المحافظين والأجهزة المحلية وإدارات المرور بمجابهة هذه الظاهرة العشوائية من خلال إطار قانونى ينظم العمل لها بدءًا بتحديد النطاق الجغرافى المسموح لها، وانتهاء بحصرها وترقيمها ووضعها تحت رقابة إدارات الدولة، حتى تستعيد شوارعنا أنفاسها وسيولتها، وتنفض القاهرة عن وجها كل أشكال العشوائيات، وتستعيد وجهها الحضارى، وتظهر آثار التطوير والتحديث وتستعيد القاهرة مكانتها كعاصمة للشرق بكل ما تحمله من تراث حضارى وثقافى وفنى فريد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض