بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

الاعجاز في القرآن والسنة: الأمر الإلهى: «ثم كلى من كل الثمرات»

بوابة الوفد الإلكترونية

بسم الله الرحمن الرحيم: (وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون)، وقال سبحانه: (ثمّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) سورة النحل، لقد حظيت نحلة العسل بعناية إلهية خاصة، لم تتكرر في أمثالها من المخلوقات، ومع أنها لم تـُعط قدراً كافياً من الذكاء لتفكر وتعمل، وتخطئ وتصيب، كما يفعل الإنسان، فإنها أعدَّت بإحكام ووُجّهت بدقةٍ للوصول إلى غاياتٍ ساميةٍ كُلـِّفت بتحقيقها، وذلك عن طريق ما أوحي إليها من إلهام  إلهي متتابع وجه سلوكها، بَدءاً من تأمين السكن (اتخذي) والمؤونة (كلي) إلى سلوك (اسلكي) السبل التي سُخِّرت لها وخُصصت بها وحدها. واستقرت هذه التوجيهات الإلهية مع كل ما يتعلق بها في غريزتها الموروثة، أو كما يقال بلغة العصر بُرمٍجت بكل المعلومات الدقيقة الهائلة ذات العلاقة، لتصبح جهازاً حياً مبرمجاً، يعمل تلقائيا بسلاسةٍ وأمانة، لا يحتمل خطأ ولا انحرافاً.

وقد ربط أول إلهام ألهمت به النحل ما بين اتخاذ السكن ومصادر الغذاء، وحدد لها ثلاث مناطق جغرافية غنية بتلك المصادر، تتوزع فيها، وتتخذ بيوتاً في ما يصلح للسكن منها، لتتمكن الطوائف والطرود التي تنشأ منها أن تعيش وتنمو في بيئة طبيعية ملائمة، دون انتشار عشوائي يُفضي إلى المجاعة ثم الهلاك. وحُصرت تلك المناطق الجغرافية الغنية، بالجبال الخضر، والشجر المنتشر في الأراضي الخصبة، ثم بما يهيئ الإنسان لسكنها في الحقول المزروعة. وظلت تلك الأمكنة الخضرُ الثلاث، وما تزال، وستبقى إلى ما شاء الله المراعيَ المناسبة لعيشها وتكاثرها.

ولم يتفق في يوم ما أن عُثر على طائفة من النحل تعيش في بيئة مغايرة، على الرغم من التنوّع البيئي وسَعة انتشارِ النحل في أرجاء

المعمورة، والثمرات التي تتغذى عليها النحلة متعارف عليها في برمجتها الإلهية فقط، فقد تأكد للعلماء أن النحل يتجنب بعض الانواع من الثمار بالفطرة، كالثمار ذات القشور التى تتطلب وجود فك لأكلها، فالنحلة  لا تمتلك فكوكاً قاطعة تجرح قشور الثمرات مهما كانت رقيقة لامتصاص العصارة السكرية، لأن فكوكها المستديرة اُعدَّت لتشكيل الشمع وبنائه، ولكن يمكنها أن تمتصّ من عصارة ثمرةٍ ناضجةٍ مهشمة أو ثمرةٍ انفطرت قشرتها لفرط نضجها أو ثمرةٍ سبق إليها زنبورٌ أو طائر أحدث جرحا فيها وأخذ  جزءاً من عصارتها.

وتقضي النحلة وقتاً طويلاً من عمرها القصير في غدو ورواح بين الخلية والحقل، تلقح عَرَضا ما تقف عليه من أزهار، وتجمع منها ما تستطيع، ولقد ثبت أن الإرهاق الذي يصيب النحلة الحقلية جرّاء جمع طعامها يقلل من عمرها، ولو أنها جرت وراءَ كلِّ زهرةٍ تتفتح لانخفض معدل أعمارها وهلكت وانقرضت، ولكنها تعلمت أن تبتعد عما لا يخدمها من أنواع الأزهار، بإعجاز إلهي أرشدها إلى ما ينبغي لها أن تـُقبل عليه وأودع في جيناتها الوراثية هذه القدرات الراسخة، وجعلها إرثاً عاماً لأجيالها.