صورة الإسرائيلي في الأدب الفلسطيني والسينما
عند الحاجز، يحمل جندي بندقية، ويحمل آخر أوراقه وينتظر. يستطيع الأول أن يسأل، ويُطلب من الثاني أن يجيب. وقد يتأخر مريض عن علاجه، أو طالب عن امتحانه، أو أم عن أطفالها. تلتقط السينما هذا الانتظار، فنرى ما تختصره الأخبار في عبارة «إجراءات أمنية».
السؤال الذي شغلني في كتابي تحوّلات صورة الإسرائيلي في الأدب الفلسطيني والسينما: من النكبة إلى أطلال غزة، المعروض حاليًا في معرض الشارقة للكتاب: كيف تصوّر الروايات والقصائد واليوميات والأفلام لقاءات الفلسطينيين العرب والإسرائيليين اليهود، بخوفها وعدائها وألفتها، وتفاوت شديد في القوة والحرية؟
يظهر الإسرائيلي في الأدب جنديًا، أو ساكنًا في بيت يحتفظ أصحابه الفلسطينيون بمفتاحه، أو جارًا، أو شاهدًا يسائل مجتمعه. تتغير الصورة بتغير الكاتب والمرحلة والموقف، ويحول اختزالها في وجه واحد دون فهم النص والتاريخ.
وتكشف اللقاءات عن الفلسطيني أيضًا مواطنًا على أرضه يشعر بالغربة عن مؤسسات الدولة، أو لاجئًا ممنوعًا من العودة، أو امرأة تحمي أسرتها وتحفظ ذاكرتها وتختار حياتها. وفي كتابات الفلسطينيات، تحضر تفاصيل البيت والجسد والأمومة والحب، فتتسع الحكاية لما تغفله الشعارات.
أما السينما فتُظهر كيف تُمارَس السلطة، بزاوية الكاميرا وطول الانتظار والمسافة بين الجسد والبندقية. وتقتضي مشاهدة الأفلام أو قراءة الأعمال الأدبية الانتباه إلى الأشخاص وأفعالهم واختلاف مواقعهم في السلطة والمسئولية. يمكن فهم خوف شخصية إسرائيلية ومساءلة أفعالها، ومتابعة ألم شخصية فلسطينية وإدراك أن وراء الرقم اسمًا ووجهًا وحياة. فالفهم يعيننا على الحكم.
مع السابع من أكتوبر 2023 والحرب التي أعقبته في غزة، تزداد الحاجة إلى هذه القراءة. تحفظ القصائد واليوميات والشهادات والصور أسماء الناس وغرفهم وشوارعهم وما حاولوا إنقاذه عند الرحيل: صورة عائلية، أو دفترًا مدرسيًا، أو مفتاحًا. يبقى اسم طفل أو كلمات أمّ شاهدًا على حياة يتهددها المحو، ويستعيد القارئ تفاصيل بشر كانوا يحبّون ويختلفون ويخططون للغد، قبل أن تختصر الأخبار حياتهم في أعداد القتلى والنازحين.
لهذا تنتهي دراستي إلى «العدالة قبل المصالحة». فالتقارب بين شخصين لا يعيد بيتًا إلى أصحابه، والتعاطف لا يغني عن الحقوق والمساءلة، لكنه يساعد على فهم خسارة البيت ومعنى الاعتراف بصاحبه. وتبدأ جدية هذا الاعتراف حين يصبح السؤال: كيف يستردّ صاحب البيت حقّه، ومن يتحمّل مسئولية اقتلاعه؟
في المناظرة، قد يُتَّهَم المتحدث بالكذب قبل أن يكمل كلامه. لكن الرواية والفيلم يتيحان لنا أن نسمع حكايته حتى النهاية. وحين نعرف أهل البيت المهدوم، ونرى صورهم وثياب أطفالهم وموائدهم، نفهم لماذا يريدون العودة: هناك عاشوا، وهناك يريدون أن يعيشوا. تهدم القذيفة البيت، لكن الحكاية تحفظ أسماء أصحابه، وتكشف مَن هدمه، وتذكّرنا بأن تدميره لا يُسقط حقّهم فيه.