يمنى صالح تحتفي بعوالم المرأة وتفاصيلها الصغيرة وتحصد جائزة التميز والإبداع
لا يبحث الفيلم الوثائقي القصير "روح" عن إجابة جاهزة لسؤال السعادة، ولا يحاول تقديم تصور مثالي عن اكتمال الإنسان، بقدر ما يقترب من فكرة أكثر بساطة وواقعية، وهي أن يجد كل شخص ما يمنحه شعورًا بالانتماء إلى ذاته، وأن تكون لديه مساحة خاصة يمارس فيها ما يحب، بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية ومسؤولياتها.
بهذه الرؤية، قدمت المخرجة يمنى صالح تجربتها الوثائقية «روح»، التي حصدت جائزة ودرع التميز والإبداع ضمن فعاليات الدورة الثانية من ملتقى الإبداع العربي، في تقدير لفيلم يتخذ من التفاصيل اليومية مدخلًا لرصد تجارب إنسانية نسائية، ويمنح الهوايات الشخصية مساحة تتجاوز حدود الممارسة العابرة لتصبح جزءًا من تكوين صاحباتها وهويتهن.
لا يعتمد الفيلم على بناء حكاية تقليدية أو وضع شخصياته داخل إطار درامي محدد، وإنما يترك الكاميرا تقترب من عوالم ثلاث سيدات، لكل منهن اهتماماتها وطريقتها في التعبير عن نفسها، نلتقي سارة أسامة من خلال علاقتها بالورق، ودينا حسن عبر تفاصيل المطبخ، بينما تأخذنا مي عبد العزيز إلى عالمها الفني، حيث تحول الأشياء التي تحمل قيمة خاصة لديها إلى لوحات تستعيد من خلالها ذكريات ومشاعر ولحظات قد تبدو عادية للآخرين.
وعلى اختلاف هذه التجارب، يجمع بينها خيط واضح، يتمثل في حاجة الإنسان إلى مساحة تخصه، يجد فيها ما يعبر عنه ويمنحه فرصة للتواصل مع نفسه. فالورقة، والوصفة، واللوحة ليست مجرد أدوات أو أنشطة يومية، بل وسائل تحمل أفكار صاحباتها وتكشف جانبًا من شخصياتهن، وتمنحهن فرصة لممارسة شغفهن وسط إيقاع الحياة المعتاد.
ثلاث سيدات وتجارب مختلفة خارج الأدوار التقليدية
تتعامل يمنى صالح مع شخصيات فيلمها دون محاولة توحيد تجاربهن أو إخضاعهن لحكاية واحدة. لكل سيدة حضورها ومسارها، وتترك المخرجة مساحة كافية للتعرف إلى عالمها من خلال ما تحبه وتمارسه، وهو اختيار يمنح الفيلم قدرًا من العفوية ويبعده عن المعالجة المباشرة.
وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من الصورة التي يقدمها العمل للمرأة؛ فهي ليست محصورة في مسؤولياتها الأسرية أو الاجتماعية، ولا تُختزل في الأدوار التي اعتاد المجتمع أن يراها من خلالها.
نحن أمام ثلاث شخصيات لديهن اهتمامات وأحلام وتجارب خاصة، ويجدن في ممارسة هواياتهن وسيلة للتعبير عن أنفسهن والحفاظ على جانب من استقلاليتهن.
ولا يتعامل الفيلم مع هذه الهوايات باعتبارها مجرد وسيلة لشغل أوقات الفراغ، وإنما يرصد ما تحمله من قيمة نفسية وإنسانية، وكيف يمكن لنشاط بسيط أن يمنح صاحبه شعورًا بالرضا، أو يعيده إلى ذكرى، أو يساعده على تجاوز ضغوط يومه.
المونتاج والموسيقى.. تفاصيل تصنع أجواء الفيلم
على المستوى الفني، يلفت الانتباه أسلوب المونتاج والانتقالات بين عوالم الشخصيات الثلاث، إذ لا تبدو المشاهد منفصلة تمامًا، رغم اختلاف طبيعة كل تجربة. وتساعد الانتقالات البصرية في خلق حالة من التواصل بين التفاصيل، بما يحافظ على تماسك الفيلم ويمنحه إيقاعًا هادئًا يتناسب مع موضوعه.
وتأتي أغنيات فيروز لتضيف إلى أجواء العمل مسحة من الحنين، وتنسجم مع طبيعته الحميمة، دون أن تتحول الموسيقى إلى عنصر طاغٍ على الصورة أو الحكايات.
كما تحضر مشاهد إعداد القهوة أكثر من كونها لقطات عابرة، إذ تمنح الفيلم لحظات من السكون والتأمل، وتنسجم مع فكرته القائمة على الانتباه إلى الأشياء الصغيرة التي تمر عادة دون أن نتوقف عندها.
أما أحاديث السيدات الثلاث، فتحتفظ بقدر من البساطة والهدوء، وهو ما يخدم طبيعة الفيلم الوثائقية. فلا يلجأ العمل إلى المبالغة في استدرار المشاعر، ولا يفرض على شخصياته طريقة بعينها في الحديث عن تجاربهن، وإنما يترك لكل منهن حرية التعبير عن عالمها، لتتكون الصورة تدريجيًا من الكلمات والتصرفات والتفاصيل اليومية.
حين تصبح الأشياء البسيطة حاملة للذكريات
من الأفكار التي يطرحها «روح» أن قيمة الأشياء لا تتحدد دائمًا بحجمها أو أهميتها الظاهرة، وإنما بما تحمله من ذكريات ومعانٍ بالنسبة إلى أصحابها. فإعداد القهوة، والكتابة على الورق، وممارسة الرسم، قد تبدو أنشطة اعتيادية، لكنها في سياق الفيلم تكشف عن علاقة أعمق بين الإنسان والأشياء المحيطة به.
وتبدو تجربة مي عبد العزيز مثالًا واضحًا على هذه الفكرة؛ فحين تتحول الأشياء المحببة إلى لوحات، لا يكون الهدف مجرد نقل أشكالها إلى مساحة فنية، بل الاحتفاظ بما تمثله من مشاعر وذكريات. هكذا يصبح الرسم وسيلة لاستعادة لحظات قد تمر سريعًا في الحياة، لكنه يمنحها فرصة للبقاء في صورة يمكن العودة إليها.
ومن هنا، لا يربط الفيلم الإبداع بالضرورة بالأعمال الكبيرة أو الإنجازات الاستثنائية، بل يراه حاضرًا أيضًا في الممارسات اليومية، وفي قدرة الإنسان على اكتشاف قيمة خاصة فيما يحيط به. فالشغف قد يبدأ من شيء بسيط، لكنه يمنح صاحبه مساحة للتجديد والتعبير، وربما يساعده على مواجهة رتابة الأيام.
في النهاية، لا يقدم «روح» إجابات قاطعة، ولا يسعى إلى استخلاص حكمة مباشرة من حكايات بطلاته، لكنه يترك للمشاهد فرصة للتفكير في علاقته بالأشياء التي يحبها، وفي المساحات التي يحتفظ بها لنفسه بعيدًا عن متطلبات الحياة.
ومن خلال ثلاث تجارب نسائية مختلفة، تذكرنا يمنى صالح بأن التفاصيل التي قد لا يلتفت إليها أحد يمكن أن تحمل عالمًا كاملًا، وأن العثور على ما يمنح الإنسان شغفًا وطمأنينة قد يكون في حد ذاته شكلًا من أشكال السعادة.