معركة الأمن المائي.. تحذيرات من سدود إثيوبيا وفرص واعدة لزيادة إيرادات النيل
في ظل تصاعد التحديات المرتبطة بملف مياه النيل، وتزايد المخاوف بشأن مستقبل الأمن المائي لدولتي المصب مصر والسودان، تعود قضية السدود الإثيوبية إلى واجهة الاهتمام، خصوصًا مع الحديث عن إنشاء سدود جديدة على النيل الأزرق، وما قد يترتب عليها من تأثيرات على كميات المياه المتدفقة، وآليات التخزين والتشغيل، فضلاً عن الفواقد المائية الناتجة عن التبخر والتسرب.
وتزداد أهمية هذا الملف في ظل ارتباطه المباشر بحقوق دول حوض النيل في الموارد المائية، وتأثيره المحتمل على خطط التنمية والاستقرار الاقتصادي والزراعي، الأمر الذي يفرض ضرورة الوصول إلى تفاهمات واضحة تضمن إدارة الموارد المائية بصورة عادلة ومستدامة، وتحول دون اتخاذ إجراءات أحادية قد تؤثر على مصالح دول المصب.
وفي هذا السياق، حذر الدكتور محمد نصر الدين علام، وزير الري الأسبق، من التداعيات المحتملة لإنشاء سدود إثيوبية جديدة على النيل الأزرق، مؤكدًا أن خطورة هذه المشروعات لا تتوقف عند حجم المياه التي يمكن احتجازها، وإنما ترتبط أيضًا بفترات التخزين، وحجم الفواقد المائية الناتجة عن التبخر والتسرب، وهو ما قد ينعكس على كميات المياه المتاحة لمصر والسودان.
وأوضح علام أن السد الإثيوبي القائم يحتجز نحو 60 إلى 70 مليار متر مكعب من المياه، مشيرًا إلى أن هذه الكميات تمثل جانبًا مهمًا من التحديات المرتبطة بإدارة الموارد المائية، خصوصًا في ظل احتمالات زيادة الفواقد المائية مع التوسع في إنشاء السدود، وما قد يترتب على ذلك من ضغوط إضافية على الموارد المتاحة لدولتي المصب.
السد العالي صمام أمان.. وأزمة التشغيل تثير المخاوف:
وفيما يتعلق بقدرة مخزون السد العالي على حماية مصر خلال سنوات انخفاض الفيضان، أكد وزير الري الأسبق أن السد العالي نجح في توفير الحماية للبلاد خلال فترات سابقة شهدت انخفاضًا في إيراد نهر النيل، مشيرًا إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في عدم وضوح آليات إدارة وتشغيل السدود الإثيوبية، وعدم معرفة توقيتات التخزين والتصرف في المياه.
وحذر علام من احتمالات حجب المياه عن مصر والسودان خلال الفترات التي تكونان فيها أشد احتياجًا إليها، ثم إطلاق كميات كبيرة من المياه في أوقات أخرى لا تحتاجان خلالها إلى الكميات نفسها، الأمر الذي قد يؤدي إلى حدوث فيضانات وأضرار مائية واقتصادية، ويزيد من صعوبة إدارة الموارد المائية في دولتي المصب.
وشدد على أهمية وجود تنسيق مشترك بين الدول الثلاث بشأن قواعد إدارة وتشغيل السدود، بما يحقق لإثيوبيا أهدافها التنموية واحتياجاتها لتوليد الكهرباء، وفي الوقت نفسه يحافظ على حقوق مصر والسودان المائية، ويضمن التعامل مع فترات الجفاف والفيضانات وفق آليات واضحة تراعي مصالح جميع الأطراف.
مشروعات جنوب السودان.. فرص واعدة لزيادة إيرادات النيل:
وعلى الجانب الآخر، طرح وزير الري الأسبق أهمية الاستفادة من المشروعات المائية في جنوب السودان، باعتبارها أحد المسارات المهمة لتعزيز الموارد المائية وزيادة إيرادات نهر النيل، موضحًا أن بعض المشروعات، ومنها السد الصغير الذي أشار إليه، جرى الإخطار به مسبقًا والتنسيق بشأنه مع مصر، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي المتعلقة بالإخطار المسبق والتفاهم حول تصميم السد.
وأضاف أن جنوب السودان يمتلك إمكانات كبيرة للاستفادة من المستنقعات والمناطق المائية، خاصة منطقة جونجلي، التي يرتبط بها مشروع قناة جونجلي، والذي أُنجز نحو 70% من أعماله قبل توقفه، إلى جانب المشروعات المقترحة في منطقة بحر الغزال.
وأشار إلى أن فرص زيادة إيرادات النيل لا تقتصر على جنوب السودان، وإنما تمتد إلى مناطق أخرى داخل حوض النيل، من بينها إثيوبيا ودول الهضبة الاستوائية، حيث يمكن استغلال الإمكانات المائية المتاحة من خلال تنفيذ مشروعات مدروسة تحقق زيادة في الموارد المائية، وتدعم خطط التنمية لدى دول الحوض.
استثمار المستنقعات يحقق مكاسب مائية وبيئية:
ولفت علام إلى أن الاستفادة من المستنقعات والمناطق المائية لا تقتصر على توفير كميات إضافية من المياه، وإنما تمتد إلى معالجة بعض المشكلات البيئية والصحية المرتبطة بها، والحد من الأمراض الناتجة عن انتشار المستنقعات، بما يحقق فوائد تنموية وبيئية لدول المنابع ودول المصب على حد سواء.
وأكد أن تنفيذ هذه المشروعات في إطار التعاون والتنسيق المشترك يمكن أن يمثل فرصة مهمة لتحقيق المصالح المتبادلة بين دول حوض النيل، بدلاً من استمرار الخلافات حول إدارة الموارد المائية، مشيرًا إلى أن مصر تمتلك خبرات فنية ودراسات متخصصة في مجالات الري وإدارة المياه، يمكن توظيفها في إقامة مشروعات مشتركة تسهم في تعظيم الاستفادة من الموارد المائية المتاحة.
واختتم وزير الري الأسبق بالتأكيد على أهمية تعزيز التعاون بين دول حوض النيل، والاستفادة من الإمكانات المائية غير المستغلة، بما يدعم الأمن المائي ويحقق التنمية المستدامة، مع ضرورة وجود قواعد واضحة وملزمة لإدارة السدود، تضمن عدم الإضرار بمصالح دول المصب وتحقيق الاستفادة المشتركة من مياه النهر.