خبير عسكري: الأمن القومي المصري خط أحمر.. وتأمين الحدود أولوية استراتيجية للدولة
في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة التي تشهدها المنطقة، وتزايد الاضطرابات والصراعات في المحيطين الإقليمي والدولي، تفرض التطورات الراهنة ضرورة تعزيز منظومة الأمن القومي المصري، والحفاظ على جاهزية مؤسسات الدولة للتعامل مع مختلف التهديدات والمخاطر، خاصة تلك المرتبطة بالحدود الجغرافية والأنشطة غير المشروعة والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.
ولم تعد التحديات الأمنية تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، وإنما امتدت لتشمل عمليات التسلل والتهريب والاتجار بالبشر والأسلحة والمخدرات، فضلاً عن استغلال المناطق الحدودية في أنشطة غير قانونية قد تحمل أبعاداً أمنية وسياسية أكثر تعقيداً.
وتكتسب هذه الملفات أهمية خاصة في ظل الموقع الاستراتيجي لمصر، وارتباط أمنها القومي باستقرار محيطها العربي والأفريقي، إلى جانب ما تشهده بعض دول الجوار من تحديات واضطرابات تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أمن الحدود.
وهو ما يفرض تبني رؤية شاملة لا تعتمد فقط على القدرات العسكرية والأمنية، وإنما تقوم أيضاً على التنسيق بين مؤسسات الدولة، وتعزيز التعاون مع الدول الصديقة والشقيقة، والاستفادة من دور المجتمعات المحلية والقبائل في المناطق الحدودية، بما يضمن حماية السيادة الوطنية والتعامل مع المخاطر وفق الأطر الدستورية والقانونية.
وفي هذا السياق، تعود التطورات المرتبطة بمنطقة حلايب وشلاتين إلى واجهة الاهتمام، في ضوء ما أثير بشأن رصد عناصر متسللة وممارسات للتعدين غير الشرعي عن الذهب وانتهاكات للحدود المصرية، وما يرتبط بها من أنشطة تهريب وجرائم منظمة.
وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول طبيعة المخاطر التي تواجه المناطق الحدودية، ومدى ارتباط بعض الأنشطة غير المشروعة بشبكات عابرة للحدود، فضلاً عن آليات التعامل معها ودور القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في حماية أمن الدولة واستقرارها.
ومن جانبه، أكد اللواء مصطفى زكريا، الخبير العسكري، أن السياسة الخارجية المصرية تستند إلى ثوابت راسخة ومحددة، تقوم على الأخوة والشراكة والدعم المتبادل في العلاقات مع الأشقاء العرب ودول حوض النيل والقارة الأفريقية، بينما يرتكز التعاون مع الدول الصديقة الأخرى على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بما يخدم استقرار المنطقة ويحافظ على المصالح الوطنية المصرية.
وأوضح زكريا أن هذه الثوابت تمثل أساساً لتحركات الدولة المصرية في علاقاتها الخارجية، خاصة في ظل التحديات الإقليمية والدولية المتزايدة، مشيراً إلى أن تعزيز علاقات التعاون والشراكة مع مختلف الدول يسهم في دعم الاستقرار الإقليمي ومواجهة المخاطر المشتركة، بما يحقق المصالح المتبادلة ويحافظ على الأمن القومي المصري.
وفيما يتعلق بمفهوم الأمن القومي ودور القوات المسلحة، استند الخبير العسكري إلى المادة 200 من الدستور المصري، موضحاً أن القوات المسلحة هي الجهة الرئيسية والمسؤولة قانوناً عن تلبية متطلبات الأمن القومي والدفاع عن الوطن، في إطار منظومة متكاملة تضم الجهات والأجهزة المخولة قانوناً بحمل السلاح، بما يشمل القوات المسلحة بقوامها من العاملين والاحتياط، والشرطة المدنية، وأجهزة المخابرات والرقابة، للتعامل مع مختلف التحديات والمخاطر التي قد تواجه الدولة.
وأشار إلى أن طبيعة التهديدات الحالية تفرض استمرار التنسيق والتكامل بين مؤسسات الدولة، باعتبار أن حماية الأمن القومي لم تعد مسؤولية جهة واحدة، وإنما تتطلب توحيد الجهود وتبادل المعلومات والاستعداد لمواجهة مختلف التحديات، سواء كانت ذات طبيعة عسكرية أو أمنية أو مرتبطة بالجريمة المنظمة والأنشطة غير المشروعة.
مخاطر تتجاوز التعدين غير الشرعي
وحول التطورات الأخيرة في منطقة حلايب وشلاتين، أشار اللواء مصطفى زكريا إلى أن التجاوزات التي تم رصدها لم تقتصر على التنقيب غير المشروع عن الذهب وانتهاك الحدود المصرية، وإنما ارتبطت، وفقاً لما أوضحه، بشبكات إجرامية عابرة للحدود تشمل الاتجار بالبشر وتجارة الأعضاء والتهريب بمختلف أنواعه، بما في ذلك المخدرات والأسلحة، فضلاً عن وجود عناصر تحمل أسلحة حديثة ومتطورة، وهو ما اعتبره مؤشراً على وجود أبعاد أمنية تتجاوز مجرد النشاط غير القانوني المرتبط بالتعدين.
وأكد أن التعامل مع هذه العناصر جرى وفق قواعد الشرعية الدولية والدستورية، ومن خلال مراحل تدريجية شملت توجيه إنذارات متكررة عبر القوات الجوية، بالتعاون مع القبائل والشيوخ الوطنيين في تلك المناطق، قبل اتخاذ إجراءات أكثر حزماً لمواجهة المخالفات والتجاوزات التي تمثل تهديداً لسيادة الدولة وسلامة أراضيها.
وأضاف أن الإجراءات تضمنت إلقاء القبض على المخالفين، سواء كانوا يحملون الجنسية المصرية أو جنسيات أخرى، وإحالتهم إلى الإجراءات القضائية الرسمية في الحالات التي لم تستجب للتحذيرات، مشدداً على أن احترام الدولة وحدودها وتطبيق القانون يمثلان أساس التعامل مع جميع الأفراد دون تمييز على أساس الجنسية.
تنسيق مؤسسي لحماية الأمن القومي
وفي سياق متصل، لفت الخبير العسكري إلى أهمية التنسيق رفيع المستوى بين مؤسسات الدولة في اتخاذ القرارات المصيرية والاستراتيجية، موضحاً أن التعامل مع التحديات الأمنية يتم من خلال التعاون بين القيادة السياسية والبرلمان والجهات المعنية بالأمن والرقابة، بما يضمن دراسة مختلف الأبعاد وتوحيد الرؤى قبل اتخاذ القرارات المرتبطة بحماية الأمن القومي المصري في جميع الاتجاهات الاستراتيجية.
وأكد زكريا أن الدولة المصرية لا تتعامل مع هذه الملفات بصورة عشوائية، وإنما وفق خطط مدروسة ومراحل محددة، مشيراً إلى أن المراحل السابقة من الإجراءات التي تحدث عنها قد انطلقت، وأن القوات المسلحة تستعد لبدء المرحلة الرابعة، في إطار استمرار جهود تأمين الحدود ومواجهة الأنشطة غير المشروعة.
وشدد الخبير العسكري على أن الحدود المصرية مؤمنة، وأن اليقظة المستمرة للقوات المسلحة واستعدادها للتعامل مع مختلف التحديات يمثلان رسالة طمأنة بشأن قدرة الدولة على حماية أراضيها وصون سيادتها، مؤكداً أن الأمن القومي المصري خط أحمر لا يمكن تجاوزه أو التهاون بشأنه.