بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

غزة... الموت بردًا

صرخات الأطفال تغرق فى وحل الشتاء

بوابة الوفد الإلكترونية

 

 

تقف طفلة فلسطينية صغيرة ضمن آلاف غيرها وسط الوحل والمياه التى غمرت خيمتها المتهالكة بجسد يرتجف من البرد القارس وملابس ابتلت بالكامل. فى عينيها مزيج من الخوف والذهول وهى تنظر إلى فراشها البسيط وألعابها القماشية التى طفت فوق بركة من مياه الأمطار الهادرة المتسربة.

وبيدين صغيرتين، تحاول جاهدة مساعدة والدتها فى جمع ما تبقى من أغطية جافة أو استخدام وعاء بلاستيكى صغير لدفع المياه المتدفقة إلى داخل الخيمة للخارج بينما تغوص خطى أقدامها الحافية فى الطين البارد ومع كل رعد يزلزل فى السماء وقصف من قوات الاحتلال تتشبث يداها الضعيفتان بأطراف الشوادر البالية باحثة عن أمان مفقود وسقف حقيقى يحمى طفولتها المسلوبة من قسوة المنخفض الجوي.

إنها ليست مجرد طفلة تحاول النجاة من الغرق، بل هى تجسيد حى لآلاف الأطفال فى غزة الذين يواجهون شتاء رابعا قاسيا بلا مأوى، وبلا دفء وبلا أبسط مقومات الحياة البشرية.

ويتزامن غرق المخيمات مع انتشار الطين والمياه الملوثة ما يرفع من مخاطر تفشى الأمراض والأوبئة بين الأطفال وكبار السن، فى ظل قطاع صحى منهك يعانى شحا حادا فى المستلزمات الطبية.

ولم تتوقف الأضرار عند حدود الخيام المتهالكة، بل امتدت لتطال المنازل المتضررة وشبه المهدمة جراء القصف المستمر، حيث تسربت المياه عبر الجدران والسقوف المتصدعة لتبتل الملابس والأثاث وتترك قاطنيها أمام معضلة إنسانية معقدة، تفتقر فيها العائلات لأبسط مقومات الترميم والشوادر النايلون الكفيلة بحمايتها وأطفالها من البرد.

وتتأثر فلسطين بمنخفض جوى يتمركز شرق جزيرة قبرص، يجلب معه أجواءً باردة وأمطارا متفاوتة الغزارة، تكون مصحوبة أحيانا بعواصف رعدية ورياح نشطة إلى قوية، مع تحذيرات من تشكل السيول والفيضانات وتدنى مدى الرؤية الأفقية، ومن المتوقع أن يستمر تأثير المنخفض حتى اليوم الأحد.

تأتى الكارثة الإنسانية فى الوقت الذى تواصل فيه قوات الاحتلال انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار الموقع فى أكتوبر 2025.

وأكدت وزارة الصحة بغزة استشهاد 10 وإصابة 22 خلال 48 ساعة لترتفع حصيلة الإبادة الجماعية للشعب الفلسطينى إلى 74,640 شهيدا و175,947 إصابة، منذ السابع من أكتوبر 2023.

وحذر مدير جهاز الدفاع المدنى فى محافظة غزة رائد الدهشان، من كارثة إنسانية حقيقية تتفاقم مع استمرار هطول الأمطار الغزيرة واشتداد تأثير المنخفض الجوى على القطاع، مشيرا إلى تلقى الطواقم عشرات نداءات الاستغاثة والمناشدات المتتالية من عائلات ومناطق سكنية غمرتها المياه، فى ظل عجز كبير فى الإمكانات والمعدات اللازمة لعمليات الإنقاذ.

وقال الدهشان خلال تصريحات صحفية ان طواقم الدفاع المدنى تتلقى تباعا عشرات البلاغات من المقيمين والنازحين الذين غمرت المياه منازلهم وخيامهم، موضحا أن الأمر لم يعد يقتصر على غرق خيام متفرقة، بل امتد ليشمل مخيمات نزوح كاملة فى مدينة غزة وخان يونس ودير البلح.

وأوضح أن الطواقم تتعامل مع منزل فى شارع الثلاثينى بمدينة غزة تعرضت جدرانه لتصدعات خطيرة محذرا من احتمال انهيار المبانى المتضررة بفعل الحرب مع استمرار تساقط الأمطار وتشبع أساساتها بالمياه.

وأكد الدهشان أن الخطر بات مزدوجا على السكان فمن جهة تغرق مخيمات النزوح وتتلف الخيام، ومن جهة أخرى تهدد الأمطار والرياح بانهيار مبان متصدعة تؤوى عائلات اضطرت للبقاء فيها لعدم توفر بدائل سكنية آمنة.

وفيما يتعلق بالمبانى الخطرة، كشف الدهشان أن تقديرات الدفاع المدنى تشير إلى وجود نحو  2000 مبنى فى قطاع غزة مهددة بالانهيار، منها نحو 700 مبنى فى مدينة غزة وحدها، محذرا من عجز فرق الإنقاذ عن التعامل معها نتيجة النقص الحاد فى الآليات والمعدات الثقيلة.

وتؤكد التقديرات أن نحو 20 ألف فلسطينى يعيشون فى مبانٍ ووحدات سكنية آيلة للسقوط فى مختلف مناطق القطاع، رغم المخاطر التى تهدد حياتهم، نتيجة انعدام المساكن البديلة واستمرار أزمة الإيواء.

وأشار الدهشان إلى أن الأمطار الغزيرة تشكل تهديدًا إضافيا لهذه المبانى، خصوصا التى تضررت أعمدتها وجدرانها خلال القصف، ما ينذر بوقوع انهيارات مفاجئة قد تسفر عن ضحايا بين اهالى القطاع.

وتحدث الدهشان عن وجود نحو 7800 خيمة فى مناطق شديدة الخطورة بالقرب من مجارى السيول والأودية وشواطئ البحر، محذرا من أن سكانها يواجهون خطر الغرق المباشر مع ارتفاع منسوب المياه، فى ظل غياب بدائل الإيواء الآمنة.

وأعلن المكتب الإعلامى الحكومى بغزة أنه خلال 12 ساعة فقط من بدء أول منخفض جوى غرقت 70,000 خيمة تؤوى عشرات الآلاف من النازحين، إلى جانب انهيار عشرات الجدران مما تسبب بوقوع إصابات مختلفة، بينها إصابات خطيرة فى مختلف محافظات القطاع.

وحمل المكتب الإعلامى الحكومى بالقطاع الاحتلال المسئولية الكاملة عن هذه التداعيات الكارثية، جراء استمراره فى إغلاق المعابر ومنع إدخال مواد الإيواء ومواد الإعمار الأساسية.

وطالب المجتمع الدولى والمنظمات الأممية والدولية كافة، بالتدخل الفورى والوقوف أمام مسئولياتهم الإنسانية والقانونية والأخلاقية والتاريخية لإنقاذ حياة النازحين وتوفير مقومات الصمود والحماية لهم.

وتضع هذه الكارثة المتجددة الضمير العالمى أمام اختبار أخلاقى وإنسانى، يتطلب تحركا فوريا لإغاثة المدنيين وتوفير وسائل تدفئة ومأوى آمن يحميهم من قسوة الطبيعة وظروف الحرب.