بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

حرّروا الخدمات قبل أن تُحرّروا الاقتصاد من شركاته الوطنية!


التوكيلات الملاحية نموذجًا.. من يحسب فاتورة تحرير الخدمات؟
هل حرّرت مصر خدماتها البحرية قبل أن تُعِدّ شركاتها الوطنية للمنافسة، وقبل أن تحسب ما قد تخسره من عوائد مالية ونقد أجنبي وسلاسل توريد محلية؟
تكشف المستندات الخاصة بشركة بورسعيد للتوكيلات الملاحية أن دورها لم يكن مجرد تحصيل عمولة مقابل خدمة السفن؛ بل امتد إلى توفير النقد الأجنبي، والتعامل مع شركات مصرية للتموين والإصلاح والأشغال البحرية، ودعم الإيرادات العامة، وأداء أدوار مساندة للرقابة البحرية والأمن القومي.
أي أننا أمام منظومة اقتصادية متكاملة، لا مجرد شركة خدمات. وعندما يتراجع دور الشركة الوطنية أو تنتقل أعمالها إلى منافسين أجانب، فإن السؤال لا يقتصر على أرباح الشركة، بل يمتد إلى مصير الموردين المصريين والعمالة والخبرات، وحجم الضرائب والعوائد التي تبقى داخل الاقتصاد، وصافي النقد الأجنبي الذي يدخل مصر أو يخرج منها.
إن تحرير الخدمات ليس خطأ في ذاته، لكن الخطأ أن تُفتح الأسواق قبل إعداد الشركات الوطنية للمنافسة، ودون دراسة الأثر الاقتصادي الشامل. فالشركة الأجنبية قد تضيف استثمارات وخبرات وتخفض التكلفة، لكنها قد تحول أيضًا جزءًا من أرباحها إلى الخارج. والحكم الصحيح يتطلب حساب المكاسب والخسائر معًا، لا افتراض أن الانفتاح مكسب تلقائي أو خسارة حتمية.
وهنا السؤال الذي يجب أن يواجه المسؤولين: هل أجرت الدولة تقييمًا مستقلًا لما كسبته وخسرته مصر من تغير هيكل سوق التوكيلات الملاحية؟
نريد مراجعة موثقة تبدأ بشركة بورسعيد للتوكيلات الملاحية، وتحدد ما كانت تحققه من إيرادات وضرائب ومشتريات محلية، وما طرأ على حصتها في السوق، وصافي النقد الأجنبي، وسلاسل التوريد المرتبطة بها. كما يجب التمييز بين الالتزامات الفعلية لاتفاقيات تحرير الخدمات والقرارات المحلية التي أثرت في الشركات الوطنية.
إن القضية ليست حماية شركة من المنافسة، بل حماية حق الاقتصاد المصري في عائد عادل من خدماته وأسواقه. ولا يجوز أن نحسب عدد الشركات التي دخلت السوق، بينما نتجاهل ما إذا كانت قدراتنا الوطنية قد تراجعت، أو ما فقدناه من قيمة مضافة وخبرات وعوائد مالية.
نريد تحريرًا يبني القدرة على المنافسة، لا تحريرًا يسبق بناءها؛ واستثمارًا يزيد الإنتاج والقيمة المضافة وصافي النقد الأجنبي، لا انفتاحًا لا نعرف حسابه النهائي.
فمن حق الدولة أن تفتح أسواقها، لكن من واجبها أن تحسب التكلفة، وتراجع النتائج، وتحاسب عن القرارات التي يثبت أنها أضرت بالمصلحة الاقتصادية الوطنية.
فهل تفتح الحكومة ملف تحرير الخدمات البحرية، وتعلن بالأرقام ماذا كسبت مصر، وماذا خسرت، ومن المسؤول عن الفجوة بين أهداف التحرير ونتائجه؟