بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

من رأسمالية الاستيراد إلى رأسمالية الإنتاج: من يربح في مصر ومن يدفع الثمن؟


كيف تتضخم ثروات رجال الأعمال بينما تتآكل القدرة الإنتاجية للدولة ويزداد المواطن فقرًا؟!
ليست أزمة الاقتصاد المصري في وجود القطاع الخاص، ولا في الرأسمالية باعتبارها نظامًا اقتصاديًا، وإنما في نوع الرأسمالية التي تشكلت، وفي قواعد سمحت بتحقيق أرباح ضخمة من الاستيراد والتوكيلات والاحتكار والمضاربة العقارية، دون أن يقابلها بالضرورة بناء مصانع أو نقل تكنولوجيا أو زيادة الصادرات.
منذ إعلان الانفتاح الاقتصادي عام 1974، كان المفترض أن يتحول القطاع الخاص إلى شريك رئيسي في التنمية والتصنيع. لكن ما حدث في قطاعات واسعة كان تحولًا من اقتصاد تقوده الدولة لبناء قاعدة إنتاجية، إلى اقتصاد تتسع فيه أنشطة التجارة والاستيراد والوساطة وأشباه رجال الاعمال ، بينما لم ينمُ التصنيع بالقدر الذي يوازي احتياجات مصر وإمكاناتها.
لسنا بصدد تبرئة تجربة القطاع العام، فقد عانت من البيروقراطية وسوء الإدارة وضعف الكفاءة، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأنها أسست صناعات استراتيجية وبنية إنتاجية كانت ركيزة للاقتصاد الوطني. وكان المطلوب إصلاحها وتحديثها، لا هدم دور الدولة التنموي وترك السوق دون ضوابط إنتاجية حقيقية.
فكيف أصبح الاستيراد في أحيان كثيرة أكثر جاذبية من التصنيع؟!!
لأن المستورد يستطيع تحقيق أرباح سريعة من بيع منتج جاهز، دون تحمل أعباء بناء مصنع أو تطوير تكنولوجيا أو تدريب عمالة أو إنشاء شبكة موردين محليين. بينما يواجه المستثمر الصناعي ارتفاع تكاليف الطاقة والتمويل والضرائب والرسوم، وتعقيدات الجمارك، ومنافسة منتجات مستوردة قد تحظى بمزايا ل
لا تتاح له .وهكذا أصبح من الممكن أن يربح المستورد، وتخسر الصناعة، وتدفع الدولة ثمن الفجوة الدولارية، ويتحمل المواطن فاتورة ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة.
والأخطر أن بعض الاستثمارات التي تُقدم باعتبارها إنجازات اقتصادية لا تتجاوز في حقيقتها تجميع منتجات بمكونات مستوردة، أو إقامة أنشطة تجارية وعقارية، دون بناء سلاسل إمداد محلية أو تحقيق قيمة مضافة حقيقية.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: كيف يزداد بعض رجال الأعمال ثراءً، بينما تزداد الدولة مديونية ويزداد المواطن فقرًا؟!!
ليس عيبًا أن يحقق المستثمر أرباحًا بالمليارات، بل العيب أن تتحول الامتيازات والتسهيلات والأراضي والموارد العامة إلى مصادر للربح الخاص، دون التزامات مقابلة بالإنتاج والتصدير والتشغيل ونقل التكنولوجيا. وليس مقبولًا أن يتحمل المجتمع تكلفة نقص العملة الأجنبية والاقتراض، بينما تظل الأرباح الخاصة هي معيار النجاح الوحيد وهذا هو السر الخفي لدائرة الاخفاق الاقتصادي رغم التغني بارقام الاستثمارات .
إن الربح الخاص ليس بالضرورة مكسبًا قوميًّا، والاستثمار المعلن ليس بالضرورة إضافة حقيقية للاقتصاد. فالمصنع الذي يستورد معظم مكوناته ويعيد تجميعها ليس كالمصنع الذي ينتج مكوناته محليًا، ويطور التكنولوجيا، ويصدر، ويوفر العملة الأجنبية.
المشكلة إذن ليست في الرأسمالية، بل في رأسمالية لا تُلزم نفسها ببناء الاقتصاد الذي تربح منه.
انظروا إلى ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية؛ لم تترك  التصنيع لمصادفة السوق، ولم تعتبر الدولة مجرد مراقب ينتظر قرارات المستثمرين. بل ربطت الدعم والتمويل والحماية والمزايا بتحقيق أهداف إنتاجية وتصديرية، وبنت شراكة بين رأس المال الخاص والدولة على أساس الالتزام والمحاسبة.
أما أن نظل نطالب بتخارج الدولة من الصناعة، بينما لا تزال فجواتنا الإنتاجية قائمة، فهذا يطرح سؤالًا مشروعًا: من سيبني الصناعات الاستراتيجية التي لا يستطيع السوق وحده تمويلها؟ ومن سيتحمل مسؤولية الصناعات الثقيلة ومستلزمات الإنتاج والتكنولوجيا؟ وهل المطلوب دولة تنظم الإنتاج وتقوده، أم دولة تتنازل عن أدواتها ثم تستدين لتمويل احتياجاتها؟
لسنا نطالب بعودة احتكار الدولة للاقتصاد، ولا بإحياء بيروقراطية القطاع العام القديمة، بل بدولة حديثة تستعيد دورها التنموي، وتدير شركاتها بكفاءة، وتفتح المجال أمام القطاع الخاص المنتج، وتضع حدًا لاقتصاد الامتيازات والاحتكارات والريع.
لقد آن الأوان للانتقال من رأسمالية الاستيراد إلى رأسمالية الإنتاج.
رأسمالية تُقاس أرباحها بما تضيفه إلى الاقتصاد الوطني، لا بما تستنزفه منه.
فالدولة ليست مطالبة بأن تضمن الأرباح الخاصة على حساب المجتمع، ورجال الأعمال ليسوا فوق المساءلة الاقتصادية، والقطاع الخاص ليس معفى من مسؤولية بناء وطن يحققون منه ثرواتهم.
إن السؤال لم يعد: كم حقق رجال الأعمال من أرباح؟ بل كم أضافت هذه الأرباح إلى قوة مصر الإنتاجية؟
فالدولة التي تغتني فيها فئة بينما يفتقر اقتصادها إلى الصناعة والعملة والتكنولوجيا، لا تعاني نقصًا في رؤوس الأموال فقط، بل تعاني خللًا في فلسفة إدارة الثروة وتوزيع المسؤولية.
نريد رجال أعمال يصنعون الثروة لمصر، لا رجال أعمال يحققون الثروة من السوق المصري، بينما تظل مصر تدفع الثمن.