بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

عتمة التنويريين

 

ليس كل من تحدث عن التنوير مستنيرًا، وليس كل من رفع راية الوعي يحمل ضميرًا حيًا. فهناك من يتحدثون عن الحرية وهم أول من يصادرون الحقيقة، ومن يدعون إلى محاربة الفساد بينما لا يترددون في ممارسته عندما تتعارض المبادئ مع المصالح.

المشكلة ليست في اختلاف الآراء، وإنما في أن يتحول الضمير إلى سلعة، والحقيقة إلى بضاعة قابلة للبيع والشراء، والكلمة إلى أداة لخدمة المصالح والأهواء. هنا تبدأ عتمة التنويريين!

الأمر لم يعد مجرد أشخاص يبدّلون مواقفهم وفق اتجاه المصالح، بل أصبحنا أمام ظاهرة أكثر غرابة؛ أن يتحول بعض أصحاب الأقلام إلى كلاب حراسة خاصة لأصحاب النفوذ، مهمتهم إخافة الخصوم ومطاردة المختلفين وتشويه كل صوت لا يروق لأصحاب المصالح، بينما اختار آخرون أن يكونوا طبولًا لا تتوقف عن التصفيق، ترفع أصوات المديح وتجمّل القبيح وتبرر الأخطاء.

والأكثر غرابة أن امتلاك هذه الأصوات أصبح لدى بعض أصحاب الوجاهة والنفوذ نوعًا من الاستعراض الاجتماعي؛ فكما يتباهى أحدهم بما يملك من عقارات وسيارات، يتباهى آخر بأن لديه عددًا من أصحاب الأقلام، يتقاضون رواتب شهرية، ويظهرون عند الحاجة، ويدافعون عند الطلب، ويهاجمون وفق ما تقتضيه المصلحة.

وهنا يجب أن نفرق بين أجر مشروع مقابل عمل مهني، وبين شراء الولاءات واستئجار المواقف. فليس العيب أن يتقاضى الإنسان أجرًا، وإنما أن يتقاضى المال مقابل ضميره، وأن يصبح موقفه تابعًا لمن يدفع، وأن تتحول كلمته إلى بضاعة في سوق النفوذ.

والمفارقة أن بعض هؤلاء لا يكتفون ببيع مواقفهم، بل يريدون أيضًا أن يمنحوا أنفسهم صكوكًا للفضيلة، فيتحدثون عن المبادئ وكأنهم حراسها، وعن النزاهة وكأنهم أصحابها، بينما الحقيقة أن من يبيع ضميره مرة، قد يجد نفسه مضطرًا إلى تزييف كل الحقائق حتى يبرر الصفقة الأولى.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب المجتمع ليس فساد أصحاب المصالح وحدهم، وإنما أن يجدوا من يمنحهم الغطاء، ويصنع لهم صورة زائفة، ويضلل الناس بشأن ممارساتهم. فالذي يبيع ضميره لا يبيع نفسه وحده، بل يساهم في إفساد معايير المجتمع، ويجعل الكذب وجهة نظر، والتضليل ذكاءً، والنفاق وسيلة للوصول.

التنوير ليس لقبًا يمنحه الإنسان لنفسه، ولا مكانة يكتسبها بمجرد الظهور في المنابر. التنوير مسؤولية أخلاقية تبدأ باحترام الحقيقة، وقبول الاختلاف، والإيمان بأن الكلمة أمانة وليست وسيلة للابتزاز أو تصفية الحسابات.

وليس أخطر على المجتمع من أن يفقد ثقته في الكلمة، وأن يصبح الذين يفترض أنهم حراس الوعي جزءًا من منظومة تزييفه. ففساد المال قد يسرق موارد المجتمع، لكن فساد الضمير يسرق قدرته على التمييز بين الحق والباطل.

إن أخطر عصور الظلام ليس ذلك الذي يغيب فيه النور، بل ذلك الذي يتولى فيه حراسه إطفاءه، ثم يقفون فوق أنقاض الحقيقة ليقنعوا الناس أنهم وحدهم أصحاب المصابيح.

*فحين يُباع الضمير، يصبح القلم شريكًا في الفساد، وحين يتحول التنوير إلى تجارة، لا يبقى للمجتمع سوى عتمة التنويريين.**

*وليد سرحان*