بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

اقتصاد الصراعات ومستقبل الشرق الأوسط

تملك منطقة الشرق الأوسط موارد طبيعية هائلة، وموقعاً يصل بين ثلاث قارات، وممرات بحرية تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة العالم وإمدادات الطاقة. وكان من الممكن أن تجعلها هذه المزايا واحدة من أكثر المناطق ازدهاراً. غير أن جانباً كبيراً من ثروتها وقدراتها ظل يُستهلك في إدارة الصراعات واحتواء نتائجها، حتى أصبح الاستقرار نفسه أحد أهم الموارد الاقتصادية النادرة في المنطقة.
بلغ الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط نحو 243 مليار دولار خلال عام 2024، مسجلاً زيادة قدرها %15 خلال عام واحد. ولا يختصر هذا الرقم كلفة الصراعات، إذ يمثل الجزء الظاهر منها فقط. فإلى جانبه تأتي خسائر الإنتاج والاستثمار، وتكاليف النزوح، وتعطل التجارة، وتراجع السياحة، واستنزاف الخدمات العامة، ثم تبدأ بعد توقف القتال فاتورة أخرى لإصلاح ما تهدم وإعادة الحياة إلى المدن والاقتصادات.
وتوضح سوريا حجم المسافة بين انتهاء الحرب والتعافي منها. فقد قدّر البنك الدولي احتياجات إعادة الإعمار بنحو 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للبلاد في عام 2024. ومعنى ذلك أن استعادة المباني والطرق وشبكات الكهرباء تحتاج إلى موارد تفوق قدرة الاقتصاد السوري بسنوات طويلة. وتزداد المهمة صعوبة حين تكون المؤسسات ضعيفة، والنظام المالي محدوداً، والكفاءات موزعة بين الداخل ودول الهجرة.
الحرب تهدم أشياء يمكن رؤيتها، وتبدد في الوقت نفسه أصولاً يصعب حصرها. فالمصنع الذي دُمّر يمكن تقدير ثمنه، أما المهندس الذي غادر، والطفل الذي انقطع عن الدراسة، وصاحب المشروع الذي نقل أعماله إلى بلد آخر، فتظهر خسارتهم تدريجياً في انخفاض الإنتاجية وضعف الاستثمار وتراجع القدرة على النهوض. ولهذا تتجاوز إعادة الإعمار ترميم الحجر، وتمتد إلى استعادة المجتمع قدرته على العمل والتعلم والإنتاج.
وفي لبنان، جاءت المواجهات الأخيرة فوق اقتصاد يعاني أزمة مصرفية ومالية ممتدة. وقدّر البنك الدولي الأضرار المادية والخسائر الاقتصادية الناجمة عن الصراع بين أكتوبر 2023 وديسمبر 2024 بنحو 14 مليار دولار، فيما قُدرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار. وتكشف هذه الأرقام كيف تتضاعف آثار الصراع عندما يصيب دولة ضعفت مواردها العامة وتراجعت قدرتها على الاقتراض وتمويل الخدمات.
أما الأراضي الفلسطينية، فقد شهدت انهياراً اقتصادياً شديداً. وانكمش النشاط الاقتصادي في غزة إلى جزء محدود من حجمه السابق مع توقف الأعمال وتدمير المنشآت وفقدان السكان مصادر دخلهم. وفي مثل هذه الحالات، لا يبقى الاقتصاد إطاراً للإنتاج وتبادل السلع، ويتحول إلى شبكة محدودة للبقاء، تعتمد على المساعدات والوصول المتقطع إلى الغذاء والماء والطاقة.
هذه النماذج تبدو مختلفة في ظروفها السياسية، لكنها تنتهي إلى نتيجة اقتصادية متشابهة. فالدولة المتضررة تفقد جزءاً من رأس مالها، وتنخفض إيراداتها في الوقت الذي تزداد فيه احتياجاتها. ثم تلجأ إلى الاقتراض أو المساعدات، وتتراجع قدرتها على الإنفاق على التعليم والصحة والبنية الأساسية، فتنتقل كلفة الصراع من الموازنة الحالية إلى أجيال لم تشارك فيه.
ولا تتوقف هذه الكلفة عند حدود الدول المنخرطة في القتال. فالشرق الأوسط مترابط جغرافياً واقتصادياً، وأي اضطراب كبير في إحدى نقاطه ينتقل عبر التجارة والطاقة والنقل وحركة السكان إلى بقية المنطقة. وحين تتعطل الحدود أو ترتفع مخاطر الملاحة، تدفع الثمن دول بعيدة نسبياً عن المواجهة، وشركات لم تشارك فيها، وأسر يظهر أثرها في ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
قدمت أزمة البحر الأحمر مثالاً واضحاً على ذلك. فقناة السويس كانت تمر عبرها بين 12-15% من التجارة العالمية خلال عام 2023، ثم تراجعت حركة التجارة عبرها بشدة مع تحول السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح. وبحلول مايو 2025، ظلت الحمولة العابرة للقناة أقل بنحو 70% من مستويات عام 2023. وأدى الطريق الأطول إلى زيادة مدة الرحلات واستهلاك الوقود وكلفة التأمين والشحن.
بالنسبة إلى مصر، لم يكن اضطراب البحر الأحمر خبراً عن التجارة الدولية فقط. فقد حققت قناة السويس إيرادات بلغت 9.4 مليار دولار في السنة المالية 2022-2023، بما يعادل نحو 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي، ثم تعرضت هذه الإيرادات لتراجع حاد مع انخفاض حركة السفن. وهكذا تحولت مواجهة خارج الحدود المصرية إلى ضغط على أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في البلاد.
وينطبق الأمر نفسه على أسواق الطاقة. فمضيق هرمز والبحر الأحمر ليسا مجرد ممرين إقليميين، وإنما جزء من البنية الأساسية للاقتصاد العالمي. تمر عبر مضيق هرمز قرابة ثلث تجارة النفط المنقولة بحراً، ولذلك يكفي ارتفاع احتمالات إغلاقه أو اضطراب الملاحة فيه لتحريك أسعار الطاقة والتأمين والنقل في أسواق بعيدة.
وقد تحقق بعض الدول المصدرة للنفط عائدات إضافية عندما ترتفع الأسعار، إلا أن المكاسب قصيرة الأجل لا تمحو أثر عدم الاستقرار في قرارات الاستثمار والتجارة. فالاقتصاد المتنوع يحتاج إلى رؤية واضحة تسمح للشركات ببناء المصانع والفنادق والموانئ والمراكز التقنية وهي مطمئنة إلى استمرارية الأعمال. وكلما ارتفعت المخاطر، ارتفعت العوائد التي يطلبها المستثمر، وتأجلت المشروعات، وانتقلت رؤوس الأموال إلى أماكن أكثر استقراراً.
ويمثل النزوح أحد أعمق التحولات الاقتصادية التي تصنعها الحروب. فبحلول منتصف عام 2025، كان أكثر من 17.8 مليون إنسان في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعيشون في حالة نزوح قسري أو انعدام جنسية. وتتحمل الدول المضيفة أعباء إضافية في التعليم والصحة والسكن والبنية الأساسية، بينما تفقد الدول الأصلية جزءاً من عمالتها وخبراتها وطبقتها المهنية.
ومع امتداد النزوح، تتغير طبيعته. فالأسرة التي تبتعد عن موطنها سنوات طويلة تنشئ روابط اقتصادية واجتماعية في مكان جديد، وينشأ أطفالها في نظام تعليمي مختلف، ويصبح قرار العودة أكثر تعقيداً. وقد تتوقف المعارك، ثم تكتشف الدولة أن جانباً من رأس مالها البشري لم يعد موجوداً، وأن إعادة السكان والخبرات أصعب من إعادة بناء الطرق والمنشآت.
ويصنع الإنفاق العسكري أثراً آخر أقل ظهوراً. فالأموال العامة محدودة مهما بلغ حجم الاقتصاد، وكل زيادة كبيرة في الإنفاق الأمني تقلل المجال المتاح لبنود أخرى أو ترفع العجز والدين. وقد لا يظهر أثر هذا التحول فوراً، لكنه يتراكم في مدرسة لم تُبن، ومستشفى لم يُجهز، وشبكة مياه لم تُحدّث، ومشروع صناعي تأخر تمويله.
بلغ الإنفاق العسكري العالمي في عام 2024 أعلى مستوى سجله معهد ستوكهولم لأبحاث السلام، وكانت الزيادة في الشرق الأوسط من بين الأسرع عالمياً. وعندما يستمر هذا الاتجاه، تصبح المنافسة الإقليمية سباقاً في القدرة على تمويل الأمن، بينما تتراجع المنافسة في نوعية التعليم والإنتاجية والبحث العلمي والصناعة.
وتظهر هنا واحدة من أكبر المفارقات الاقتصادية في المنطقة. فالشرق الأوسط يستثمر مبالغ ضخمة لحماية موارده وممراته ومصالحه، ثم تؤدي الصراعات ذاتها إلى خفض القيمة الاقتصادية لهذه الموارد والممرات. فالميناء يفقد جزءاً من نشاطه، والطريق يصبح أكثر خطراً، وحقل النفط يحتاج إلى حماية أعلى كلفة، والسوق الواسعة تتجزأ إلى أسواق صغيرة تفصل بينها القيود والتوترات.
وقد أدى هذا الواقع إلى إضعاف التجارة الإقليمية. فمنطقة تتمتع بتقارب جغرافي ولغوي وثقافي واسع ما زالت أقل ترابطاً اقتصادياً من مناطق أخرى في العالم. وتضيف الصراعات إلى الحدود السياسية حواجز أمنية ومصرفية ولوجستية، فتزداد صعوبة انتقال السلع ورؤوس الأموال والخبرات، وتفقد الدول فرصاً كان يمكن أن تنشأ من تكامل أسواقها.
وعلى الرغم من ذلك، لا تسير اقتصادات المنطقة في اتجاه واحد. فدول الخليج توسع استثماراتها في الصناعة والتكنولوجيا والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية والسياحة، وتسعى إلى تقليل اعتمادها على النفط. ودول أخرى تحاول استعادة الاستقرار المالي أو إعادة بناء ما أضعفته الأزمات. وبين الطرفين تظهر فجوة متزايدة في القدرة على اجتذاب الاستثمار وتوفير الوظائف وتمويل التنمية.
هذه الفجوة لا تصنعها الموارد وحدها. فالمستثمر ينظر إلى استقرار السياسات، وكفاءة المؤسسات، وسلامة الطرق والموانئ، وقدرة القضاء على حماية العقود، وإمكان تحويل الأرباح، وتوافر المهارات. ولهذا قد تملك دولة فرصاً اقتصادية كبيرة ثم تعجز عن تحويلها إلى استثمارات بسبب ضعف البيئة التي تحيط بها.
كما أن إعادة الإعمار قد تتحول إلى فرصة اقتصادية أو إلى امتداد آخر للأزمة. فالإنفاق الكبير على البناء يستطيع تشغيل العمالة وإحياء الأسواق وتطوير البنية الأساسية، لكنه قد يبدد الموارد ويعمق الفساد إذا جرى في مؤسسات ضعيفة ومن دون أولويات واضحة. وتحتاج المجتمعات الخارجة من الحرب إلى بناء الثقة بقدر حاجتها إلى التمويل، لأن المستثمر والمواطن لن يضعا أموالهما في اقتصاد يخشيان عودته إلى نقطة البداية.
وتبدأ عملية التعافي بإعادة الخدمات وفتح الطرق وتشغيل المؤسسات الصغيرة، ثم تنتقل إلى النظام المصرفي والتعليم والصحة والاستثمار. ولا يمكن اختصارها في مشروعات ضخمة أو مؤتمرات للمانحين. فالسوق المحلية تستعيد نشاطها عندما يشعر الناس بالأمان، ويعود الدخل، وتستقر العملة، وتصبح القواعد معروفة وقابلة للتطبيق.
ويحتاج مستقبل الشرق الأوسط إلى تغيير النظرة إلى الاستقرار من مطلب سياسي إلى أصل اقتصادي منتج. فالهدوء يخفض كلفة التأمين والاقتراض، ويطيل أفق الاستثمار، ويعيد السياحة، ويشجع الكفاءات على البقاء أو العودة. وكل اتفاق يفتح حدوداً أو يحمي ممراً تجارياً أو يعيد العلاقات الاقتصادية يضيف إلى قيمة المنطقة أكثر مما يظهر في البيانات السياسية المباشرة.
أما التعاون الإقليمي، فيستطيع بناء مصالح تقلل جاذبية الصراع. فالربط الكهربائي، وشبكات السكك الحديدية، وسلاسل الغذاء والدواء، والمشروعات الصناعية، والاستثمارات المتبادلة، كلها تجعل الاستقرار منفعة مشتركة. وكلما ارتفعت قيمة هذه المصالح، أصبحت خسارتها أكثر كلفة على جميع الأطراف.
لا تفتقر المنطقة إلى رأس المال أو الموقع أو الموارد أو الأسواق. ما ينقصها هو حماية هذه المزايا من دورة متكررة تستهلكها في الصراع ثم تطلب أضعافها لإصلاح نتائجه. وقد بينت التجارب المتراكمة أن الانتصارات العسكرية، مهما كانت أهميتها لأطرافها، لا تعيد وحدها بناء اقتصاد، ولا تعيد المستثمر، ولا تصلح المدرسة، ولا تقنع الأسرة المهجرة بالعودة.
يتوقف مستقبل الشرق الأوسط على قدرته على الانتقال من اقتصاد يدير الأزمات إلى اقتصاد يبني المصالح المشتركة. وكل تقدم في هذا الاتجاه يحرر جزءاً من الأموال والخبرات والوقت المخصص للخطر، ويعيد توجيهه نحو الإنتاج والتعليم والتقنية والبنية الأساسية. عندها تتحول ثروات المنطقة وموقعها الجغرافي من أسباب للتنافس عليها إلى قاعدة لازدهار تشارك في صنعه.