من تونس للنزلة.. بيت التراث المصري يوثق خبرات صناع الخزف والفخار بالفيوم
في إطار دور بيت التراث المصري، التابع لصندوق التنمية الثقافية، في توثيق وصون التراث الثقافي غير المادي، نفذ فريق العمل يوم الجمعة 6 نوفمبر زيارة ميدانية إلى محافظة الفيوم، شملت مهرجان الخزف بقرية تونس، المقام خلال الفترة من 5 إلى 7 نوفمبر، وقرية النزلة، بهدف توثيق المهرجان بوصفه فعالية ثقافية تسهم في التعريف بالحرفة ودعم ممارسيها، إلى جانب رصد خبرات صناع الخزف والفخار، وما يرتبط بهما من معارف وتقنيات وممارسات متوارثة داخل بيئتهما المحلية.
وشملت الزيارة توثيق فعاليات مهرجان الخزف بقرية تونس من خلال التصوير الفوتوغرافي والتسجيلات المرئية، وإجراء لقاءات مع عدد من الحرفيين والعاملين بالمدارس والورش، للتعرف على طبيعة مشاركتهم، ومراحل إنتاج القطع الخزفية، ومصادر الإلهام التي تشكل أعمالهم، فضلًا عن رصد أثر المهرجان في التعريف بالمنتجات الحرفية والتواصل مع الجمهور.
وفي هذا السياق، التقى الفريق هيثم خطاب، أحد أصحاب البازارات بالقرية، الذي انتقل إلى العمل في مجال الخزف بعد سنوات من ممارسة الإرشاد السياحي، واتجه إلى تعلم الحرفة عقب تراجع النشاط السياحي خلال جائحة كورونا، حيث أمضى نحو ثلاث سنوات ونصف في التدريب قبل تأسيس مشروعه الخاص، وتعكس تجربته أحد مسارات تجدد الممارسة الحرفية في القرية، من خلال انتقال خبرات الصناعة إلى ممارسين جدد، واستلهام تصميمات المنتجات من عناصر الذاكرة البصرية الشعبية المصرية، ومنها الزخارف والرسوم التراثية والخط العربي. كما يعتمد في عرض منتجاته أسعارًا موحدة ومعلنة للمصريين والأجانب، باعتبارها ممارسة تعزز وضوح التعامل مع الزبائن وثقتهم.
كما شملت الزيارة توثيق امتداد تجربة الفنانة السويسرية الراحلة إيفلين بوريه، مؤسسة مدرسة الخزف بقرية تونس، وما أحدثته تجربتها من أثر في تعليم أبناء القرية أصول الحرفة وتكوين أجيال من الحرفيين الذين واصلوا العمل، وأسس بعضهم ورشًا ومشروعات خاصة، والتقى الفريق عددًا من العاملين بالمدرسة للتعرف على استمرار هذه التجربة من خلال ممارساتهم الحالية، ومراحل إنتاج القطعة، بدءًا من إعداد الطين والعجن والتشكيل على الدولاب، وصولًا إلى التشطيب والحريق. ويبرز هذا الامتداد كيف تحولت تجربة تعليمية أسستها إيفلين إلى خبرة متداولة داخل المجتمع المحلي، تتناقلها أجيال من الحرفيين وتعيد إنتاجها في ورشهم ومشروعاتهم.
ومن جانبها أوضحت الدكتورة فاطمة مصطفى، مدير البيت، أن توثيق المهرجان لا ينفصل عن توثيق الحرفة والمجتمع الممارس لها، مشيرة إلى أن الفعاليات الحرفية تتيح مساحة للتعريف بالمنتجات والمهارات، وتفتح قنوات للتواصل بين الحرفيين والجمهور، بما يدعم فرص التسويق والرواج الاقتصادي. وأضافت أن المهرجان لا يقتصر على منتجات الخزف، بل يضم أنشطة ومشغولات يدوية وفنية متنوعة، ويستقبل ورشه طلبة المدارس والجامعات والأسر والزوار من المصريين والأجانب.
وأكدت أن استدامة الحرف لا تتحقق بالحفاظ على مهارات الإنتاج وحدها، وإنما ترتبط كذلك بتوفير فرص اقتصادية تتيح للحرفي تسويق منتجاته وتحقيق دخل من عمله، بما يساعد على استمرار الممارسة وانتقالها إلى أجيال جديدة. وأشارت إلى أهمية انتشار الفعاليات المعنية بالحرف في المدن والقرى التي تمتلك عناصر تراثية، لما تؤديه من دور في رفع الوعي بقيمتها ودعم المجتمعات التي تحافظ عليها.
وانتقل فريق العمل إلى قرية النزلة لتوثيق حرفة صناعة الفخار، والتعرف على اختلاف تقنياتها واستخداماتها عن صناعة الخزف في قرية تونس. والتقى الفريق الحرفي دياب، الذي تعلم المهنة عن والده منذ طفولته، وشرح مراحل إعداد الطينة، بدءًا من تجفيف طمي النيل، ثم نقعه في الماء وتركه للتخمر، وخلطه بقش القمح لتحقيق التماسك، قبل الانتقال إلى التشكيل والحرق، موضحًا ارتباط كل مرحلة بخبرة عملية تراكمت عبر الممارسة وانتقلت داخل الأسرة.
وتكشف منتجات النزلة عن ارتباط الحرفة باحتياجات الحياة اليومية في البيئة الريفية، إذ تشمل أدوات مثل الكانون والمنقد، إلى جانب منتجات أخرى تستخدم في الطهي والتدفئة وإعداد المشروبات، فضلًا عن قطع زخرفية وتذكارية يستلهم بعضها أشكال الفخار القديم. وأوضح دياب أن الطلب على بعض المنتجات يرتبط بمواسم الاستخدام، خاصة خلال فصل الشتاء، كما أشار إلى أن عددًا من الأسر ما زال يعتمد على أدوات الفخار في أنشطته اليومية. وفي المقابل، لفت إلى تراجع إقبال الشباب على تعلم الحرفة، بما يطرح تحديًا أمام استمرارها وانتقال خبراتها إلى أجيال جديدة.
ورصد الفريق كذلك جانبا من الممارسات البيئية المرتبطة بصناعة الفخار في النزلة، ومن بينها إعادة استخدام كسر الفخار في بناء الورش، والاستفادة من الطين والتبن والخامات المتاحة محليًا في تشييد المباني ذات الطابع البيئي. كما زار مركز زوار النزلة، الذي يضم معروضات من المنتجات والأدوات المستخدمة في الصناعة، من بينها الدولاب القديم، إلى جانب لوحات تعريفية باللغتين العربية والإنجليزية، ومساحة لعرض مواد مرئية تتناول تاريخ المكان والحرفة، ويؤدي المركز دورًا في التعريف بالمعارف المرتبطة بصناعة الفخار وتقنياتها، وإتاحة تجربة معرفية للزائر تتجاوز مشاهدة المنتج النهائي إلى التعرف على سياقه وطريقة إنتاجه.
وتوضح المقارنة بين قريتي تونس والنزلة تنوع الخبرات الحرفية في المحافظة؛ ففي تونس ترتبط صناعة الخزف بالتشكيل الفني وتعدد مصادر الإلهام والتصميم، وبمنظومة من الورش والمدارس والأنشطة المرتبطة بالمهرجان، بينما تتصل صناعة الفخار في النزلة بصورة أوثق بالاحتياجات اليومية والموارد البيئية المحلية، وبمعارف متوارثة في إعداد الطينة والتشكيل والحرق، ويكشف هذا التنوع عن أن توثيق الحرفة لا يقتصر على تسجيل خطوات إنتاجها، بل يستلزم رصد علاقتها بالمجتمع والبيئة والاقتصاد، والتحولات التي تؤثر في استمرارها.
وتأتي الزيارة ضمن جهود بيت التراث المصري لرصد وتوثيق عناصر التراث الثقافي غير المادي في سياقاتها الحية، وتسجيل خبرات الممارسين وإتاحة مساحة للتعبير عن احتياجاتهم والتحديات التي تواجههم، بما يسهم في بناء مادة توثيقية تحفظ المعارف والمهارات المرتبطة بالحرف، وتدعم الوعي بقيمتها وأهمية استدامتها، كما تتصل هذه الجهود بتوجهات وزارة الثقافة نحو صون التراث وتعزيز حضوره في المجتمع، انطلاقًا من أن حماية الحرف لا تنفصل عن دعم أصحابها وضمان استمرار ممارستها وتوارث خبراتها.



