الجنرال الهادئ..
هل ينجح آيزنكوت فيما فشل نتنياهو.. دراسة تكشف عقيدته العسكرية
في ظل التحولات السياسية المعقدة التي تشهدها منطقة الشرق الاوسط ودولة الاحتلال الإسرائيلي، ومع تزايد التكهنات حول مستقبل القيادة الإسرائيلية الجديدة وبحث الإقليم عن مخرج من دوامة التصعيد المفتوح التي تشهده المنطقة تبرز شخصية رئيس الأركان الأسبق جادي آيزنكوت كواحدة من الأوراق السياسية التي يراقبها البعض بحذر، والمتابع الجيد للأخبار الإسرائيلية سيجد اسم جادي إيزنكوت يتردد في الفترة الأخيرة باعتباره المرشح الأبرز لإسرائيل، لكنه ليس مرشحًا سياسيًا فقط، بل ترى فيه إسرائيل أنه موسى الذي سيخلصهم من الفرعون بيبي، فشل في تحقيق أهداف حروبه ضد أعداء إسرائيل عسكريًا وسياسيًا.
من هو إيزنكوت؟
جنرال إسرائيلي سابق، شغل منصب رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي بين عامي 2015 و2019، ثم دخل الحياة السياسية وأصبح عضوًا في الكنيست ووزيرًا في حكومة الطوارئ خلال حرب غزة ، يُعد من أبرز الشخصيات المؤثرة في قضايا الأمن القومي والاستراتيجية العسكرية في إسرائيل.
رغم أن السجل العسكري لآيزنكوت يمتلئ بالعقائد الصارمة والضربات الاستباقية، إلا أن بعض الدوائر والتقديرات الإقليمية والدولية تميل أحياناً للنظر إلى اعتماده على مقاربات الأمن القومي المؤسسي كفرصة محتملة لإعادة صياغة قواعد التهدئة واستقرار الإقليم، مقارنة بنهج اليمين المتطرف.
هذا الجدل يفتح الباب واسعاً حول ما إذا كان آيزنكوت قادراً على التحول من منطق "إدارة الحروب" إلى رعاية أفق سياسي واستقرار إقليمي جديد، أم أنها مجرد رهانات على وجه آخر لنفس المؤسسة العسكرية الإسرائيلية الفاشية التي تعتمد فقط على نظرية الإبادة الجماعية مع خضومها.
للتعرف أكثر على شخضية الجنرال الجديد لابد من العودة إلي الدراسة التي أعدها أيزينكوت في العام 2019 عندما كان رئيسا لأركان جيش الاحتلال الإسرائيلي بالشراكة مع الباحث جابي سيبوني والصادرة عن "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى" تحت عنوان "خطوط توجيهية لاستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي"، وهي بالمناسبة واحدة من أبرز الوثائق الإستراتيجية العسكرية والسياسية في إسرائيل خلال العقد الماضي، حيث تقدم إطاراً عملياً يربط بين الفكر العسكري البحت ومتطلبات الأمن القومي الشامل (السياسية، الاقتصادية، والاجتماعية) والتي تكشف في الوقت نفسه عن عقيدة أيزينكوت الأمنية وإستراتيجيته العسكرية التي ستتحكم في قراراته القادمة فيما يخص الوضع الأمني للاقليم وخاصة في ظل الحرب التي تقودها تل أبيب على عدة جبهات وكيف تنعكس توجهات آيزنكوت الأمنية على قضايا الصراع الفلسطيني والساحات الإقليمية (إيران، لبنان، سوريا).
ومن أبرز ما جاء في دراسة ايزينكوت هو تبني عقيدة الحفاظ على سيادة إسرائيل، حماية أصولها الأساسية، وضمان سلامة سكانها كقاعدة لا يمكن التنازل عنها، وتبني نظرية الاستباق ونقل المعركة لأرض العدو، بحيث يرفض ايزينكوت فرضية الانتظار لحين تعرض الدولة للتهديد المباشر، والتركيز على تدمير قدرات الخصم مبكراً ونقل المعركة إلى أراضيه لحماية الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
كما يتبني أيضا نظرية التفوق النوعي والردع المطلق وذلك نظراً لانخفاض الموارد الديموغرافية والجغرافية مقارنة بالخصوم، يجب التعويض بالتفوق الاستخباراتي، التكنولوجي، والعسكري الحاسم، والتشديد على أهمية السيطرة الجغرافية الحيوية، وأبرزها الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية المطلقة في غور الأردن في أي تسوية مستقبلية، أما فيما يخص مفهومه الشامل للأمن برأيه لابد من ألا يقتصر الأمن على الجيش فحسب، بل يمتد ليشمل متانة النظام السياسي، التماسك الاجتماعي (جيش الشعب)، والقدرة الاقتصادية.
هذا أهم ماجاء في الدراسة التي أعدها ايزينكوت منذ حوالي سبع سنوات وبهذا يتضح أنه رغم تصنيف آيزنكوت ضمن التيار "البراجماتي" نسبياً مقارنة باليمين المتطرف الذي قاده رئيس الاحتلال المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو، إلا أن رؤيته تجاه القضية الفلسطينية تظل محكومة باعتبارات أمنية متشددة، بحيث يرى آيزنكوت أن المساحة الممتدة بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط يجب أن تخضع للسيطرة الأمنية العليا لإسرائيل، رافضاً قيام أي كيان أو جيش أجنبي قد يشكل تهديداً استراتيجياً للعمق الإسرائيلي.
ومع ذلك يميل آيزنكوت عملياً إلى الجمع بين الضربات العسكرية الساحقة عند حدوث تصعيد (مثل ما يحدث في غزة) وبين السماح أحياناً بتسهيلات اقتصادية محدودة لتهدئة الجبهات المدنية إذا كان ذلك يخدم استقرار الردع الإسرائيلي ويقلل من استنزاف الجيش.
موقفه من الملف الإيراني
في دراسته وتصريحاته الاستراتيجية، يضع آيزنكوت إيران على رأس "هرم التهديدات الوجودية" لإسرائيل، ويتعامل معها كتهديد متعدد الأبعاد، يرى ضرورة العمل المستمر لإحباط المشروع الإيراني الرامي لتطويق إسرائيل عبر هلال شيعي يمتد عبر العراق وسوريا ولبنان وصولاً إلى غزة، كما يعتبر آيزنكوت أن امتلاك إيران لسلاح نووي هو خط أحمر مطلق، ويؤكد على ضرورة بناء خيار عسكري مستقل وموثوق، إلى جانب الضغط الدبلوماسية الغربي والأمريكي لمنع طهران من عبور عتبة السلاح النووي.
وأخيراً، تُمثل دراسة "خطوط توجيهية لاستراتيجية الأمن القومي" لجادي آيزنكوت عقيدة عسكرية براجماتية متشددة، فهي ترفض التراخي في المسائل الأمنية وتؤكد على استقلالية إسرائيل المطلقة في الدفاع عن نفسها، وعلى الرغم من ظهوره سياسياً بصورة الشخصية المعتدلة التي تعطي وزناً للاقتصاد والتحالفات الدولية والدبلوماسية، إلا أن أوراقه الاستراتيجية تثبت أن توجهاته الأمنية تقوم على الحسم السريع، القوة المفرطة والرفض القاطع لأي تهديد استراتيجي جغرافي أو عسكري محيط بإسرائيل، سواء تمثل ذلك في البرنامج النووي الإيراني، أو ترسانة حزب الله في لبنان، أو أي كيان سياسي مستقل في الأراضي الفلسطينية ويمكن القول أن إيزنكوت يؤمن بالمقولة اللاتينية: "إذا أردت السلام، استعد للحرب"، إذ أن السياسة العسكرية الإسرائيلية تعتمد على التفوق النوعي لا العددي، وهذا ما يدعمه إيزنكوت.