بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس التحرير
ياسر شورى

التذكرة تتراوح بين 10 و50 جنيهًا

بيزنس زيارة المرضى فى المستشفيات

بوابة الوفد الإلكترونية

سعر التذكرة يحدده مجلس إدارة المستشفى بموافقة الوزارة.. والفرق فى القيمة غير مُبرر

مواطنون: الأعباء تتراكم علينا.. مواصلات وأدوية ورسوم يومية

خبراء: مطلوب حل وسط مراعاة لظروف أسر المرضى واحتياجات المنشآت الصحية

 

خلف أبواب المستشفيات، لا يواجه المريض وحده قسوة المرض، بل تخوض أسرته معركة أخرى لا تقل مشقة؛ معركة تبدأ بالقلق على حالته، وتمتد إلى تدبير نفقات العلاج والانتقال والاحتياجات اليومية، ولا تنتهى عند دفع ثمن الدواء. فبينما ينتظر المريض زيارة تخفف عنه ألم الغياب، يحاول أهله تدبير تكلفة الوصول إليه، وقد يجدون أنفسهم مطالبين بدفع رسوم جديدة فى كل مرة يأتون فيها للاطمئنان عليه.
وتختلف قيمة تذكرة زيارة المريض من مستشفى لآخر، حيث تتراوح بين 10 و20 جنيهًا، ولكنها تصل فى بعض المستشفيات مثل مستشفى الهرم إلى 50 جنيهًا.
ورغم أن تذكرة الزيارة تبدو مبلغًا محدودًا فى المرة الواحدة، لكنها تكتسب وزنًا مختلفًا حين تتحول إلى تكلفة يومية، حيث تحتاج بعض الحالات إلى الإقامة إلى الإقامة فى المستشفى لفترة طويلة. وهنا، لا تصبح المسألة مجرد تذكرة تُدفع عند بوابة المستشفى، بل نفقات تتراكم مع كل دخول، من ثمن المواصلات إلى الطعام والشراب ومستلزمات المريض، لتصبح لحظة الاطمئنان نفسها محاطة بحسابات لا تغيب عن بال الأسرة.
وتزداد هذه المعاناة حين تأتى الأسرة من قرية بعيدة، أو تضطر إلى التناوب على زيارة مريض يحتاج إلى وجود ذويه باستمرار. فكل زيارة تعنى وقتًا ومالًا ومشقة جديدة، بينما لا تملك الأسرة دائمًا خيار تقليل الزيارات، ولا تستطيع أن تشرح للمريض أن ضيق الحال قد يفرض عليها الغياب.
وسط هذه التفاصيل الإنسانية، تبرز قضية رسوم زيارة المرضى فى المستشفيات الحكومية، حيث تتقاطع حاجة المستشفى إلى موارد تساعده على تحسين خدماته مع قدرة الأسر على تحمل نفقات تتجدد رغمًا عنها.
فاتورة تتجدد كل يوم
داخل المستشفيات، تتعدد حكايات الأسر التى لا تملك رفاهية الابتعاد عن مرضاها، خاصة عندما تستدعى الحالة الصحية المتابعة المستمرة، أو تطول فترة الإقامة فى المستشفى، فهناك من يقطع مسافات طويلة كل يوم للاطمئنان على والده أو والدته، وهناك من يضطر إلى التناوب مع أشقائه على الزيارة، بينما تتحمل أسر أخرى نفقات إضافية لتوفير احتياجات المريض اليومية.
وهو ما أكده محمد سيد قائلًا «إن معاناة أسرة المريض لا تتوقف عند تكاليف العلاج والأدوية، بل تمتد إلى المصروفات اليومية التى تتحملها الأسرة للاطمئنان عليه»، موضحًا أن تكرار الزيارة يعنى تحمل نفقات الانتقال ورسوم الدخول فى كل مرة، وهو ما يجعل المصروفات تتزايد مع مرور الأيام. مشيرًا إلى أن الأسرة تجد نفسها أمام أعباء متكررة لا يمكن تجاهلها، خاصة أن زيارة المريض ليست رفاهية بالنسبة لذويه، وإنما وسيلة للاطمئنان على حالته ومتابعة تطورات علاجه.
وأضافت مروة خالد «أن الأسر التى تضطر إلى التردد يوميًا على المستشفى تتحمل أعباء تتجاوز قيمة تذكرة الزيارة، موضحة أن المصروفات تشمل المواصلات ورسوم الدخول، فضلًا عن احتياجات المريض التى قد لا تتوافر له بسهولة داخل المستشفى»، وأشارت إلى أن الأسرة قد تضطر إلى توزيع الزيارات بين أفرادها لتخفيف الأعباء، لكنها لا تستطيع الاستغناء عن الاطمئنان على المريض، خاصة إذا كان من كبار السن أو كانت حالته تستدعى المتابعة المستمرة.
وأضافت أن تكرار هذه المصروفات يومًا بعد آخر يجعلها عبئًا إضافيًا على ميزانية الأسرة، التى تكون فى الغالب منشغلة بالفعل بتدبير نفقات العلاج والأدوية، لتصبح الزيارة نفسها جزءًا من حسابات الإنفاق اليومى خلال فترة المرض.
وفى شهادة أخرى، قال عصام على القادم من إحدى القرى لزيارة شقيقه بمستشفى بالقاهرة: إن المسافة التى يقطعها للوصول إلى المستشفى تضاعف تكلفة الزيارة، إذ لا تقتصر النفقات على تذكرة الدخول، وإنما تشمل الانتقال ذهابًا وإيابًا، وأوضح أن تكرار الرحلة يوميًا خلال فترة الإقامة يجعل إجمالى المصروفات أكبر بكثير من قيمة التذكرة التى يدفعها فى كل مرة.
وأشار إلى أن الأسرة التى تضطر إلى زيارة مريضها تجد نفسها أمام التزامات مالية متواصلة، فى وقت لا يمكنها فيه التخلى عن الاطمئنان عليه أو تركه دون متابعة، وهو ما يضعها أمام معادلة صعبة بين تحمل النفقات والحرص على زيارة المريض.
ولا تتوقف الأعباء عند رسوم الزيارة والمواصلات، إذ تواجه بعض الأسر مصروفات أخرى عندما تستدعى حالة المريض وجود مرافق إلى جواره أو البقاء معه لفترات طويلة.
وفى هذه الحالة، تتداخل نفقات الزيارة مع تكلفة المبيت والطعام والاحتياجات اليومية، لتصبح رحلة العلاج محاطة بمصروفات متعددة لا تظهر كلها فى قيمة التذكرة المعلنة.
أبعاد أخرى
وتكشف هذه النماذج عن أهمية النظر إلى رسوم الزيارة باعتبارها جزءًا من إجمالى ما تتحمله الأسرة خلال فترة العلاج، خاصة بالنسبة للأسر محدودة الدخل أو القادمة من مناطق بعيدة.
ولكن للمسألة أبعاد أخرى، فالمستشفيات تحتاج إلى موارد تساعدها على تحسين الخدمة وتنظيم الزيارة، ومن ثم أصبح لا بد من البحث فى قواعد تحصيل رسوم الزيارة، والجهات المسئولة عن تحديدها، وأوجه إنفاقها حتى يدرك المواطن طبيعة المبالغ التى يدفعها، ومدى ارتباطها بالخدمات المقدمة داخل المنشأة الصحية.
صندوق تحسين الخدمة
أكد الدكتور هشام شيحة، وكيل أول وزارة الصحة ورئيس القطاع العلاجى الأسبق، أن حصيلة رسوم الزيارة وتذاكر العيادات الخارجية تدخل ضمن موارد صندوق تحسين الخدمة بالمستشفيات الحكومية، الذى يُستخدم فى تلبية بعض الاحتياجات التشغيلية وأعمال الصيانة البسيطة، إلى جانب الاستعانة بالعمالة المؤقتة أو الموسمية عند الحاجة.
وأوضح شيحة أن فرض رسوم الزيارة يرتبط، بهدفين أساسيين؛ أولهما الحد من التكدس داخل المستشفيات وتنظيم حركة الزائرين، وثانيهما توفير موارد مالية إضافية يمكن الاستعانة بها فى تغطية بعض احتياجات التشغيل، فى ظل محدودية المخصصات المتاحة لبعض أوجه الإنفاق بالمستشفيات الحكومية.
وأشار إلى أن هناك عددًا كبيرًا من الأشخاص قد يتوجهون لزيارة مريض واحد، وهو ما قد يؤثر على انتظام العمل داخل المستشفى ويعوق حركة المرور فى بعض الأقسام. لذلك وجب تنظيم حركة الزيارات لضمان سير العمل فى المستشفى
وأضاف أن حصيلة الرسوم تُوجه إلى صندوق تحسين الخدمة بالمستشفى، الذى يمكن استخدام موارده فى أعمال الصيانة، مثل إصلاحات السباكة والكهرباء، إلى جانب توفير العمالة المؤقتة لفترات محددة، قد تصل إلى 60 يومًا، لسد بعض الاحتياجات العاجلة أو تعويض النقص فى العمالة عند الضرورة.
ولفت وكيل أول وزارة الصحة السابق، إلى أن هذه الموارد تختلف عن الاعتمادات المالية المخصصة للمشروعات الكبرى، مثل الإنشاءات والتوسعات وشراء الأجهزة الطبية، التى تُوفرها وزارة الصحة والجهات التابعة لها وفقًا للإجراءات المعمول بها.
وشدد شيحة على أن حصيلة رسوم الزيارة وتذاكر العيادات الخارجية لا يجوز توجيهها لصرف مكافآت للعاملين، وإنما تُخصص لأوجه الإنفاق المرتبطة بتحسين الخدمة داخل المستشفى.
وأشار إلى أن المستشفيات الحكومية تحتاج إلى أعمال صيانة وتوفير متطلبات التشغيل وتدبير العمالة اللازمة لاستمرار العمل بشكل مستمر، موضحًا أن وجود موارد يمكن استخدامها لتغطية بعض الاحتياجات اليومية يمثل جانبًا مهمًا فى إدارة المرافق الصحية، خاصة عندما يتعلق الأمر بإصلاحات بسيطة تحتاج إلى تدخل سريع.
آليات تحديد الرسوم
وفيما يتعلق بكيفية تحديد قيمة رسوم الزيارة، أوضح شيحة أن مدير المستشفى لا يستطيع اتخاذ قرار منفرد بزيادة الرسوم وفقًا لتقديره الشخصى، وإنما يمر الأمر بإجراءات إدارية تشمل عرض المقترح على مجلس إدارة المستشفى، ثم إرسال مذكرة إلى مديرية الشئون الصحية التابعة لها، للحصول على الموافقة اللازمة بشأن تعديل القيمة.
وأضاف: أن المستشفى الذى يرغب فى زيادة رسوم الزيارة يتعين عليه عرض الأمر على مجلس إدارته أولًا، ثم رفع مذكرة إلى مديرية الشئون الصحية المختصة لاتخاذ القرار.
ارتفاع تكاليف التشغيل
والتقط أطراف الحديث الدكتور أشرف رضوان، استشارى الأسنان بأحد مستشفيات التأمين الصحى، وأكد أن حصيلة رسوم تذاكر زيارة المرضى تُوجَّه إلى صندوق تحسين الخدمة بالمستشفى، وتُستخدم فى تلبية احتياجات المنشأة الطبية، بما يشمل أعمال النظافة والصيانة وشراء المستلزمات وغيرها من المتطلبات اللازمة لاستمرار تقديم الخدمات.
وأوضح رضوان، أن مجلس إدارة المستشفى هو المسئول عن تحديد قيمة تذكرة الزيارة، وفقًا للضوابط والتعليمات الصادرة عن وزارة الصحة، مشيرًا إلى أن تحديد الرسوم يخضع لحدود وضوابط تنظمها الوزارة.
وأضاف أن ارتفاع تكاليف التشغيل وزيادة أسعار المستلزمات والخدمات، إلى جانب تراجع القيمة الشرائية للجنيه، أسهمت فى زيادة الأعباء المالية على المستشفيات، وهو ما ينعكس على قيمة رسوم الزيارة.
وفى المقابل، أشار رضوان إلى أن هذه الرسوم تمثل عبئًا إضافيًا على أسر المرضى، خاصة العائلات التى تضطر إلى التردد يوميًا على المستشفيات للاطمئنان على ذويها، فضلًا عن نفقات الانتقال وغيرها من المصروفات التى تتراكم مع استمرار الزيارات.
وطرح رضوان عددًا من المقترحات لتخفيف هذه الأعباء، من بينها تطبيق نظام لتخفيض رسوم الزيارة لكبار السن، على غرار بعض أنظمة تخفيضات وسائل النقل، بحيث يُتاح لهم دفع نصف قيمة التذكرة، مراعاةً لظروفهم الصحية وصعوبات الحركة.
كما اقترح إقرار تخفيضات أو إعفاءات للمرضى الذين تستدعى حالتهم الصحية الإقامة بالمستشفى لفترات طويلة، مع مراعاة أوضاع ذويهم الذين يضطرون إلى زيارتهم بصورة يومية أو متكررة، بما يحقق التوازن بين احتياجات المستشفيات المالية والظروف الاقتصادية للأسر.
وفى النهاية، تظل زيارة المريض جزءًا من رحلة العلاج والدعم النفسى والاجتماعى الذى يحتاج إليه خلال وجوده داخل المستشفى وبين حاجة المنشآت الصحية إلى تنظيم العمل وتوفير موارد التشغيل، وقدرة الأسر على تحمل المصروفات، يبقى التحدى فى تحقيق التوازن بين متطلبات الخدمة الصحية والأعباء التى يتحملها المواطنون، حتى لا تتحول رحلة الاطمئنان على المريض إلى تكلفة إضافية تثقل كاهل أسرته فى وقت هى أحوج ما تكون فيه إلى الدعم.