«لفت نظر»
إعادة إنتاج «عبدول»
قبل أن نصوب سهام النقد إلى السيناتور الأمريكى من أصل مصرى عبدالرحمن السيد عبدول لا بد أن نفرق بين مواقفه أثناء الحملة الانتخابية وبين ما سيكون عليه بعد أن تجاوز تلك المرحلة من الخطاب الموجه إلى الناخبين.
إلى مرحلة المسئولية
ليس السؤال الأهم الآن هو ما إذا كان ينتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، أو ما إذا كانت مواقفه تتفق مع توجهاتنا السياسية. السؤال الأهم هو كيف استطاع شاب من أصول مصرية الوصول إلى موقع مؤثر فى واحدة من أهم المؤسسات التشريعية بالعالم، وكيف يمكن لمصر الاستفادة من تجربته؟
لا شك أن من حق أى إعلامى مناقشة خلفية عبدول السياسية وانتقاد تصريحاته، لكن اختزال تجربته فى اتهامات بالانتماء إلى الإخوان، دون أدلة حاسمة، يحرمنا من قراءة أوسع لنجاح يستحق الدراسة، خاصة مع عدم وجود أدلة على هذه الاتهامات.
فقد نشرت صحيفة واشنطن بوست تحقيقا فى 23 أكتوبر 2026 تناول الاتهامات التى وجهها له منافسه الجمهورى مايك روجرز وأكدت أن الحملة لم تقدم دليلا يثبت انتماءه إلى الجماعة أو تعهده بدعمها. كما نشرت صحيفة الجارديان فى 29 أكتوبر تحقيقا خلص إلى أن الخطاب الذى وقعه عبدول عام 2012، وطالته اتهامات بأنه إعلان تأييد للإخوان، لم يتضمن أى إشارة إلى الجماعة، وإنما تناول مطالب مرتبطة بأهداف الثورة وإصلاح مؤسسات الدولة. وقد نفى عبدول مرارا وجود أى صلات له بجماعة الإخوان.
فعبدول لم يصل إلى موقعه بسبب أصوله المصرية وحدها، وإنما عبر مسار من التعليم والخبرة المهنية والعمل العام. فهو طبيب وباحث فى علم الأوبئة، وتولى مسئوليات قيادية فى قطاع الصحة بمدينة ديترويت، وقدم خطابا سياسيا ركز على العدالة الاجتماعية والرعاية الصحية وتكاليف المعيشة.
وهنا تكمن أهمية التجربة. فقد استطاع أن يحول خبرته المهنية إلى حضور سياسى، وأن يخاطب المجتمع الأمريكى من خلال قضاياه اليومية، وليس اعتمادا على هويته الدينية أو أصوله العائلية.
إن مصر أمام فرصة لإعادة التفكير فى علاقتها بكفاءاتها بالخارج. لدينا آلاف العلماء والخبراء ورجال الأعمال والشخصيات المؤثرة فى مراكز البحث والاقتصاد والسياسة حول العالم، لكننا نفتقر إلى آليات مؤسسية تستثمر هذه الطاقات وتربطها بالمصالح الوطنية.
يمكن لمصر الاستفادة من خبرات عبدول فى الصحة العامة والبحث العلمى، وفتح قنوات للتعاون الأكاديمى والطبى، وبناء تواصل مع الدوائر السياسية الأمريكية، دون مطالبته بتبنى المواقف المصرية أو التخلى عن استقلاله السياسى.
أما إعادة إنتاج عبدول فلا تعنى صناعة نسخة منه، وإنما بناء بيئة مصرية تفرز نماذج قادرة على المنافسة الدولية، من خلال تعليم متطور، وجامعات تدعم البحث العلمى، وحياة عامة تسمح بظهور القيادات الشابة وتداول الأفكار.
عبدول ليس بالضرورة نموذجا سياسيا نتفق معه، لكنه تجربة تستحق أن نتعلم منها.
فبدلا من الانشغال بمحاكمة رجل نجح فى الخارج، علينا أن نسأل لماذا لا نصنع فى مصر مائة نموذج قادر على الوصول إلى مواقع التأثير الدولى.
[email protected]